القرآن يفند قصة عروج النبي (ص)إلى السماوات -المقال الأول من سلسلة القرآن في مواجهة التراث
نبيل هلال في الثلاثاء 30 ابريل 2013
نحن هنا في مقام الدفاع عن الإسلام الحقيقي واستخلاصه مما حاق به من إسرائيليات وتراثيات مكذوبة نجح الوضَّاعون في دسها في عقول الناس, وكل ما نسوقه من أدلة وحجج فهي من كتاب الله, ومن ينكر علينا أدلتنا عليه أن يفندها أيضا بكتاب الله إن استطاع إلى ذلك سبيلا ,ولن نقبل غير كلام الله حكما وفيصلا, ومن لا يرى فيه الكفاية والغَناء ,عليه البحث عن دين آخر, أو على الأقل لا يزعم أنه مسلم, وأنوّه هنا بأنه لن تتضح معاني بدايات المقالات إلا بخواتيمها, وعلى الله قصد السبيل.
كانت قصة عروج النبي صلى الله علي وسلم إلى السماوات السبع من الأمور التي يتندر علينا بها غير المسلمين وإليكم القصة الحقيقية :
فوجئ الحبيب المصطفي محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه, بنزول جبريل عليه أول مرة في الغار, فأصابه الفزع وهرع إلى زوجته خديجة وهو مضطرب لا يعلم حقيقة ما ظهر له.
وهو نفس الخوف الذي أصاب نبي الله إبراهيم لما زاره الملكان المكلفان بتدمير قوم لوط : {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ}هود 72.
وكان لابد للنبي - و شأنه في ذلك شأن أي نبي آخر- أن تطمئن نفسه أن ما به من الله وليس عارضا شيطانيا أو أوهاما وتخيلات, فموسى كلمه الله, فعَلِم أن الله من ورائه وقد كلمه تكليما, وعضده بالمعجزات.
وعيسى علِم من البداية أنه وُلد بلا أب, وعضده الله بمعجزات إحياء الموتى وشفاء المرضى بإذنه.
وإبراهيم أنقذه الله من النار, وأراه معجزة إحياء الطير:" {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }البقرة260.
ومضى نبينا الحبيب حائرا بعد أن أبلغه جبريل أول آيات القرآن, ثم أبطأ عليه فترة ( جاء في التراث أن انقطاع الوحي دام مدة ثلاث سنوات, وهذا ما لا نراه, فما كان الله ليدع نبيه حائرا بلا مبرر طيلة هذه المدة, والواقع ينفي ذلك ,إذ تواصل نزول القرآن في المدة المزعوم فيها هذا الانقطاع ), ثم أراه اللهُ جبريلَ, ذلك الملاك الرسول بين الله وأنبيائه :"وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ" التكوير23, " وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى"النجم13.
وتراوح أمر الإخباريين والوضَّاعين عن العروج بين كذاب يفتري وبين غافل يصدق, فكما سبق لهم القول بأن "عدد مرات الإسراء بلغ ثلاثين أو أربع وثلاثين مرة" ( ذهب إلى هذا القول الحاتمي الصوفي والشيخ عبد الوهاب الشعراني – السيرة الحلبية طبعة المطبعة الأزهرية – القاهرة – الجزء الأول ص 404 – نقلا عن الإسراء والمعراج – أبو المجد حرك ), وقالوا أيضا" إن عدد مرات العروج عشر مرات : سبع مرات إلى السماوات, ومرة واحدة إلى سدرة المنتهى, ومرة واحدة إلى المستوى الذي سمع فيه صريف الأقلام في تصاريف الأقدار, وواحدة إلى عرش الرحمن" (مجلة منبر الإسلام العدد 7 السنة 25 اكتوبر 1967- الملحق ص 33 – نقلا عن الإسراء والمعراج – أبو المجد حرك ).
وقيل إن محمدا صلى بالأنبياء ليلة إسرائه في بيت المقدس ثم عُرج بهم جميعا بعد ذلك إلى السماوات العلى, وقيل إن النبي اجتمع بهم في السماوات ثم نزل إلى بيت المقدس ثانيا وهم معه, وصلى بهم فيه, ثم إنه ركب البراق وكر راجعا إلى مكة (وقد نسي واضع هذه الرواية أنه سبق الزعم بأن العروج لم يكن بالبراق, بل كان بالمعراج وهو سلم له درج من فضة ودرج من ذهب, أو - في رواية أخرى- كان ببساط الريح الرفرف.
وقيل في رواية ثالثة إنه صلى بهم مرتين.
ومن قال بالعروج بالبراق زعم أنه انتقل من الأرض إلى السماء في خطوة واحدة, وإلى السماوات السبع في سبع خطوات.
وما دام العقل الخرافي لا يستنكف مثل هذا الهراء, فلا بأس من القول بأن هذا البراق له قوائم ثور, وذنب غزال, وفي قول آخر جسده كجسد الإنسان, وذَنَبه ذنب بعير, وله مثل عرف الفرس (هكذا قالوا).
وإذا قال قائل : ألم يكن الله بقادر أن ينقل النبي ب "كُن" دون الحاجة إلى براق ومعراج, يجيبون بأن الراكب أكرم من الماشي, لذا أراد الله له أن يأتي راكبا من باب التكريم والتبجيل ! وهذا بعض كلام يراد للناس تصديقه والإيمان به, ويُرمى مكذبه بالزندقة والكفر.
وزعموا أن النبي وجبريل امتطيا هذا البراق معا, مع أن جبريل له 600 جناح (هذا ما قالوه ) وما أغناه عن براق فوق الحمار ودون البغل.
وقيل إن البراق هو دابة النبي إبراهيم التي كان يزور عليها البيت الحرام, ولو كان الأمر على ما ذكروا لكان مرأى البراق كافيا لإثبات المعجزة لمشركي عصر إبراهيم.
ومع أن البراق كان دابة إبراهيم وكان وسيلة المواصلات للأنبياء إلا أنه تشامس واستصعب عندما هم محمد بركوبه, ولكن جبريل وبخه على ذلك فتصبب البراق المسكين عرقا من الندم والخجل ( - ابن الأثير - الكامل في التاريخ – المجلد الثاني – ص 51) - بحسب الروايات المكذوبة- وانطلق الجميع : جبريل ممسكا بركابه, وميكائيل ممسكا بزمامه, فملَكان كريمان يسوقان ما هو فوق البغل ودون الحمار(البراق) ! وتذكُر روايات أخرى أن جبريل امتطي ظهر البراق مع النبي حتى انتهيا إلى بيت المقدس, ولم يذكر لنا أحد ما حاجة الملاك جبريل - وله 600 جناح واحد منها يسد الأفق - إلى امتطاء ظهر حيوان دون حجم البغل, حتى يبلغ بيت المقدس.
ومن شاء أن يؤمن بمثل هذا الكلام فليفعل, لكن عليه ألا يطالب العقلاء بتصديقه.
انتهى المقال الأول ويتبعه الثاني إن شاء الله تعالى – بتصرف من كتابنا.....بين القرآن والتراث – نبيل هلال هلال
تفنيد القرآن لعروج النبي-المقال الثاني من سلسلة القرآن في مواجهة التراث
نبيل هلال في الثلاثاء 30 ابريل 2013
سدرة المنتهى:
بسبب تسمية سدرة المنتهى بهذا الاسم, اختلفوا على أقوال تسعة, فقالوا : لأنه ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وإليها ينتهي ما يعرج من الأرض, أو ينتهي إليها علم الأنبياء, أو تنتهي إليها الأعمال وتقبض منها, أو تنتهي الملائكة والأنبياء إليها, أو تنتهي إليها أرواح الشهداء, أو تأوي إليها أرواح المؤمنين, أو ينتهي إليها كل من كان على سُنة محمد ومنهاجه, أو ينتهي إليها علم الخلائق, أو لأن من رُفع إليها فقد انتهى في الكرامة.
لقد صدَّقنا الكثير مما كان يستدعي التوقف والتساؤل عنده.
ولما أبطأ الوحي عن النبي بعد نزول سورة "العَلَق", ظن النبيُ أن ربَّه قلاه, وأن الوحي قد انقطع, وأن الملك لن يعاود الاتصال به, وربما خامره الشك عن حقيقته وحقيقة الأمر, فنزلت سورة الضحى لتطمينه وإخباره أن ربه لم يودعه :"وَالضُّحَى{1} وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى{2} مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى{3} وَللآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولَى{4}, وقد نزلت هذه السورة بعد حوالي ثلاث سنوات من بدء البعثة النبوية, وترتيب نزولها هو الحادي عشر ( كل ما يتعلق بترتيب نزول السور وزمن نزولها, رجعنا فيه إلى كل من المراجع التالية :
أ- د. مصطفى زايد – الإحصاء والقرآن الكريم ,
ب- د. مصطفى زايد – المصحف – مطبعة الدار الهندسية ,
ج- د.مصطفى زايد- إحصاءات القرآن
د- د.عبد المنعم الحفني – موسوعة القرآن العظيم - مكتبة مدبولي ).
وبعد نحو السنة بعد نزول سورة الضحى نزلت سورة النجم التي تسجل رؤية النبي لجبريل, فكان نزول سورة النجم في بداية السنة الخامسة من بدء البعثة النبوية ( د. مصطفى زايد – المصحف – ص 72 ) وهي المسطور فيها الإخبار بلقاء الرسولين ,جبريل رسول الله إلى محمد رسول الله إلى الناس.
فرأى النبيُ جبريلَ مرتين : الأولى كانت في أول ظهور للملك في الأفق الأعلى ثم نزوله واقترابه من النبي حين غطه وضمه وأبلغه أول سور القرآن ,سورة العلَق"{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ }العلق1, والمرة الثانية عند سدرة المنتهى- وهي شجرة سدر (شجرة نبق ) مزروعة في مكان خارج مكة على حدود المناطق المأهولة بالقرب من المكان الذي فيه جنة المأوى -كما سيرد تفصيل ذلك لاحقا, وهي في تراثنا الأصفر شجرة تنبت فوق رؤوس حملة العرش ! وإذا كان النبي قد عُرج به فعلا, فلماذا لم يكن من مكة مباشرة ؟
يذكر تراثنا الأصفر أن البيت المعمور فوق مكة تماما !
بحسب خيال الوضاعين إذ لم يعلموا أن الأرض غير مسطحة بل كرة دوَّارة بحيث ينتفي إمكان قول ذلك, أفلم يكن من الأسهل, والأمر على ما قالوا, أن يكون العروج من مكة بدلا من بيت المقدس ! يقول كعب الأحبار" إن الحكمة من الإسراء إلى بيت المقدس قبل العروج ليحصل العروج مستويا من غير تعويج (!), وهذا على أساس أن باب السماء الذي يقال له (مصعد الملائكة) يقابل بيت المقدس, وهو أقرب من الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا!" (ابن حجر العسقلاني والسيوطي – الإسراء والمعراج – تحقيق محمد عبد الحكيم القاضي ).
ولا شيء يمكنه إجبارنا على أخذ هذا الكلام بجدية.
وبينما استنكر مشركو قريش الإسراء -حسب رواية التراث- وكذبوا النبي, لم تذكر لنا المراجع مثل هذا الاستنكار للعروج المزعوم وهو الأوْلى بالتكذيب.
وبمراجعة التفاسير نجدها جميعا تقترب وتحوم حول هذه المعاني وإن لم تصب قلب الحقيقة مباشرة بفعل إضافة كلمة أو اثنتين إلى الخبر, وهو أمر يسهل عمله على نصوص منقولة شفاهة طوال 150 سنة وقبل تدوينها بأكثر من 1300 سنة, ولننظر مثلا فيما جاء في تفسير الطبري من أن أم المؤمنين عائشة قالت : " كان أول شأن رسول الله أنه رأى في (منامه) جبريل عليه السلام بأجياد ".
وأجياد منطقة في مكة ولا تزال معروفة بهذا الاسم إلى الآن.
وصحيح أن أمنا عائشة لم تكن آنذاك زوج النبي - إذ تزوجها في المدينة بعد الهجرة - مما يؤكد أن النبي نفسه هو من أخبرها بذلك.
وقد جاء في سورة التكوير التي تسبق سورة النجم نزولا - فترتيب نزول سورة التكوير هو 7, بينما ترتيب سورة النجم 23 : " فلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ{15} الْجَوَارِ الْكُنَّسِ{16} وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ{17} وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ{18} إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ{19} ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ{20} مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ{21} وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ{22} وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ{23}التكوير 15-23.
ففي تفسير الطبري : "ولقد رآه بالأفق المبين" أن النبي رأى جبريل بأفق من نحو أجياد في شرق مكة.
وهو كلام يؤيد ما سقناه سلفا عن أن الله يقسم بأن من ينقل كلامه إلى محمد, رسول كريم هو جبريل وهو ذو قوة عند ذي العرش مكين, وهو نفس المعنى والوصف الذي ورد في سورة النجم (ذي مِرة ) أي قوة, وهو وصف لجبريل, ذي قوة عند ذي العرش مكين, مطاع ثم أمين, فأمْره مطاع وهو أمين على ما ينقله من الله إلى محمد, لذا فالأمر على ما سبق وصفه: وما صاحبكم (محمد) بمجنون, ولو كان الوصف (برسول كريم ) مقصود به النبي وليس جبريل, لما قال الله "وما صاحبكم بمجنون " وإنما جاز أن يقول (وما هو بمجنون ).
والله يؤكد في سورة النجم :"مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى"17, وهو نفس المعنى في سورة التكوير "وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ{22} وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ{23} وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ{24} وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ{25}. لذا فرؤية النبي لجبريل كانت مرتين : الرؤية الأولى مذكورة في الآية 7 من سورة النجم- ترتيب نزول 23, وسبق ذكر هذه المرة الأولى في الآية 23 من سورة التكوير - وترتيب نزولها 7.
والرؤية الثانية كانت عند النزلة الأخرى بالقرب مكة عند سدرة المنتهى القريبة من جنة المأوى.
انتهى المقال الثاني ويتبعه الثالث بإذن الله تعالى– بتصرف من كتابنا....بين القرآن والتراث-نبيل هلال هلال
(3) - القرآن يفند قصة عروج النبي (ص)إلى السماوات -المقال الثالث من سلسلة القرآن في مواجهة التراث
نبيل هلال في الجمعة 03 مايو 2013
لتمام الفائدة نوصي بقراءة المقالات بترتيب كتابتها : أي الأول فالثاني ,وهكذا.....
جاء في تفسير ابن كثير عند تفسير أوائل سورة النجم:" إن هذه الرؤية لجبريل لم تكن ليلة الإسراء بل قبلها ورسول الله في الأرض, فهبط عليه جبريل وتدلى إليه فاقترب منه وهو على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمئة جناح ( !!!!!), ثم رآه بعد ذلك نزلة أخرى عند سدرة المنتهى يعني( ليلة الإسراء ), وكانت هذه الرؤية الأولى في أوائل البعثة بعدما جاءه جبريل أول مرة, فأوحى إليه صدر سورة العلق, ثم فتر الوحي فترة " انتهى كلام ابن كثير.
وكان المعنى يستقيم تماما مع ما أوردناه سلفا لو لم يتم إضافة كلمتي (ليلة الإسراء).
وقد ورد في تفسير ابن كثير أنه في حديث عن عائشة لما سألوها هل رأى النبيُ اللهَ ، نفت ذلك وقالت :" ولكنه رأى جبريل, لم يره في صورته إلا مرتين : مرة عند سدرة المنتهى ومرة في أجياد وله ستمئة جناح قد سد الأفق ", وإيراد الخبر على هذا النحو دون تخصيص أن مرة سدرة المنتهى كانت في السماء, والثانية في أجياد, وعطف المرتين على هذا النحو, يشير إلى أن المرتين حدثتا في الأرض.
وفي تفسير الجلالين جاء أن أول رؤية للنبي لجبريل كانت في حراء.
ولما سُئل النبي عن رؤيته لله تعالى, قال :" لا, إنما رأيتُ جبريل مُنْهَبِطَا".
وينسبون إلى ابن عباس قوله : أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد,... أما نحن بني هاشم فنقول إن محمدا رأى ربه مرتين.
وكأن المسألة مفاخرة ومباهاة.
والخوض في كلام عن رؤية الله هو مما لا يصح الخلاف حوله, بل هو من قبيل الجهر بالسوء من القول ,وهو جدل يكون العقل فيه مجرد ضيف شرف.
والله يصف رؤية النبي لجبريل بأنه من آياته " الكبرى, يقول في سورة النجم الآية 18:" لقد رأى من آيات ربه الكبرى ", و"الكبرى" -كما يقول أهل الدراية باللغة هي مؤنث أكبر - فهي تمكين النبي البشري من رؤية مخلوق من منطقة كونية أخرى من خارج عالم الأرض المحسوس, من عالم الغيب الذي لا نعرفه ولا يعرفه أحد إلا من شاء الله, فهو تفرد وسبق وتكريم للنبي, إذ يرى جبريلَ شديد القوى ! وهو كائن نوراني ليس مخلوقا من الطين ,وانفرد محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه, برؤيته رأي العين دون كل البشر منذ الأزل وحتى الأبد.
البشر المخلوق من طين الأرض يرى بعينيه مخلوق غيبي (فضائي) من مكان ما من الكون العلوي, أي آية كبرى تلك ! ويزعمون أن المعراج كان مع الإسراء في ليلة واحدة, مع أنه لا إشارة في سورة الإسراء عن هذا العروج, فالله تعالى يقول: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }الإسراء1.
ولو كان ثمة عروج لذكره الله في نفس الآية.
وتضاربت الآراء والحكايات حول هذه المعجزة مما ينفي المصداقية عن كثير مما أثير حولها, فغياب الرواية الأكيدة الموحَّدة إنما يؤكد عدم ثبوتها عن النبي.
والأصوب هو الاكتفاء بما جاء عنها في القرآن.
وكان العروج أَوْلى بتكذيب المشركين لأنه أشد عجبا وأبعد تصديقا من الإسراء.
وكل ماقيل حول عروج النبي إلى السماوات العلى يعتمد على تأويل الفقهاء لسورة النجم.
والبيِّنة الدامغة الشديد الأهمية التي غابت عن الوضَّاعين هي أن الفارق الزمني بين نزول سورة النجم وسورة الإسراء هو أكثر من ست سنوات تقريبا, فنزول سورة النجم سابق على نزول سورة الإسراء, فترتيب نزول سورة النجم هو 23 وكان ذلك في بداية السنة الخامسة من بدء البعثة النبوية, وترتيب نزول سورة الإسراء هو 50 وكان ذلك في السنة الحادية عشر من بدء البعثة النبوية.
أي أنه في الوقت ما بين نزول سورتي النجم والإسراء, نزل الوحي بربع القرآن الكريم تقريبا, إذ نزلت سورة الإسراء بعد سورة النجم بعدد 27 سورة.
فما الداعي لأن يغفل القرآن ذكر الحادثتين معا في سورة واحدة وينتظر أكثر من ست سنوات ينزل خلالها ربع القرآن ثم يتذكر فجأة ويورِد قصة العروج.
وكل ما ذكره الوضاعون عن العروج كان في سورة النجم التي نزلت قبل حدوث الإسراء في زعمهم, فكيف تتحدث سورة النجم (بصيغة الماضي)عن وقائع لن تحدث إلا بعد نحو ست سنوات ! وإن لم يكن إلا هذا لكفى.
انتهى المقال الثالث ويتبعه الرابع بإذن الله تعالى - بتصرف من كتابنا......بين القرآن والتراث - نبيل هلال هلال
4- الله نفسه ينفي العروج النبوي قولا واحدا ,فهل من مكذب؟ المقال الرابع من سلسلة القرآن في مواجهة التراث
نبيل هلال في الجمعة 03 مايو 2013
والحديث في سورة النجم-كما أسلفنا-جاء في صيغة الماضي وليس المستقبل :" لقد رأى من آيات ربه الكبرى", أي تمت رؤية تلك الآيات وليس لها علاقة بما سيحدث مستقبلا في الإسراء بعد ست سنوات (انظركتاب( المصحف)– د. مصطفى زايد – ص 72-73 ).
والآيتان 17, 18 من سورة النجم تقولان :"ما زاغ البصر وما طغى, لقد رأى من آيات ربه الكبرى", والكلام عن زيغ البصر لمَّا رأى النبيُ جبريلَ بالقرب من مكة, كلام مقبول ومعقول, فمن المنطقي أن يظن النبي زيغ بصره لما رأى جبريل للمرة الأولى, والله يؤكد له أنه ليس ثمة زيغ فيما رأى, وما رآه كان آية كبرى, والظن بزيغ البصر غير وارد فيما لو كان النبي في السماء - بحسب رواية العروج- لأنه يعلم آنذاك أنه في معية الله ورحابه, وما يراه من آيات هي في عالم آخر غير عالم الأرض الذي أَلِفه.
وثمة ملمح آخر ينبغي لفت النظر إليه, وإنني والله لأتعجب كيف يغيب هذا الملحظ عن المتوهمين للعروج النبوي, وهو أن الله تعالى في معرض حديثه عن المشركين أخبر أنهم علَّقوا إيمانهم بدعوة محمد على أن يأتيهم بعدة معجزات وأمور خارقة إثباتا لنبوته, ومن هذه الأمور طلبهم أن يعرج إلى السماء, ولو كان النبي قد سبق له العروج, لَمَا ذكر الله العروج مع مجموعة المعجزات التي طلبها منه المشركون, ولقال الله لهم في آياته إنه قد سبق للنبي أن عُرج به إلى السماوات العلى, ومن العجيب أن يزعم الزاعمون ان النبي أسري وعرج به في ليلة واحدة ثم تأتي سورة الإسراء بالذات وليس بها كلمة واحدة عن هذا العروج ,والأكثر عجبا أن يأتي في نفس السورة (الإسراء) قول الله رب العالمين وفيه نفي قاطع للعروج النبوي والتأكيد على بشرية النبي التي لا تسمح له بمثل هذا العروج ,اسمع معي إن شئت في سورة الإسراء ( نكرر: إنها سورة الإسراء ):" وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً{90} أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً{91} أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً{92} أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ (أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء )وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً }الإسراء 93 ,والرقي في السماء هو العروج فيها, فالآية تثبت أن طلب المشركين بعروج النبي كان في زمن نزول سورة الإسراء التي نزلت بعد سورة النجم (المزعوم فيها عروج النبي).
والآية تثبت أن هذا الطلب التعجيزي كان مطروحا على النبي وسجَّله الله في سورة الإسراء, ولو كان النبي قد صعد إلى السماء لانتهى المشركون ولم يطلبوا هذا الطلب, وإن كان قد عُرج به وأخبرهم بذلك - فرضا- لطالبوه( بالكتاب) ليقرأوه.
والله يطلب من نبيه أن يقول للمشركين إنه بشر وليس بوسعه العروج, :" قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً ".
ولو عُرج بالنبي فعلا, لطلب الله منه إخبار المشركين بذلك بدلا من الكلام عن بشريته وعجزه عن العروج.
والمذكور في سورة النجم ليس المقصود به العروج, وإنما كان القرآن يتحدث عن واقعة ظهور جبريل للنبي.
وعروج النبي – على فرض حدوثه – لن يصدقه أحد من المشركين, فهم لن يشهدوه بأنفسهم, فالعروج يَحدث للنبي وحده ولن يشاركه فيه أحد سواه, لذا لا يصلح أن يكون من نوع المعجزات التي يجريها الله على أيدي أنبيائه لإقناع المشركين, حتى وإن عُرج بهم أنفسهم, فلن يؤمنوا أيضا, الله نفسه يقول ذلك " وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ, لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ "الحجر14- 15.
والله الذي يعلم مكابرة المشركين وتكذيبهم عروجهم أنفسهم - فيما لو حدث- لأوْلى أن يكذبوا نبيه إن عُرج به, حتى إنهم لما طلبوا من النبي أن يرقى في السماء طلبوا منه أن يعود إليهم ومعه كتاب فهم يعلمون أنهم لن يكونوا شهودا على ذلك العروج.
انتهى المقال الرابع ويليه الخامس إن شاء الله - بتصرف من كتابنا.....بين القرآن والتراث-نبيل هلال هلال
5- العروج وتخاريف الوضاعين في التفاسير والتراث -المقال الخامس من سلسلة القرآن في مواجهة التراث
نبيل هلال في الإثنين 06 مايو 2013
لتمام الفائدة ينصح بقراءة المقالات بترتيب كتابتها :
تدل مفردات الحديث في سورة النجم على أنها نزلت في بداية الدعوة حيث كان الكلام عن الوحي واتهام المشركين للنبي بالضلال والغواية وأنه ينطق عن الهوى, وفيها أيضا كلام الله عن أن الأمر على خلاف ما يظنون, فهو الوحي بجبريل شديد القوى الذي ظهر للنبي في أفق السماء بصورته الملائكية, ثم اقترب منه في صورة بشرية, وأخبر النبي من أمر الرسالة والتكليف بالدعوة, ثم السؤال الاستنكاري الذي يوجهه الله إلى المشركين عن شكهم فيما رآه النبي بأم عينيه ( أفتمارونه على ما يرى), وكلمة (يرى) تؤكد أن المقصود بالرؤية هو جبريل وليس الله تعالى كما في بعض التفسير, فالله لا يراه أحد, هكذا قال عن نفسه.
ثم يراه مرة أخرى عند سدرة المنتهى, وهي شجرة نبق مزروعة بالقرب من جنة(بستان) المأوى قريبا من مكة, وليست شجرة مزروعة في السماء السادسة وفروعها تمتد إلى السماء السابعة ويرويها نهرا دجلة والفرات كما جاء في تراثنا الأصفر
العروج بحسب تخاريف الوضاعين: وإذا سلمنا جدلا بما اصطنعه الوضاعون من أن الإشارات الواردة في سورة النجم تخص حادثة العروج, فعليهم إيراد سبب واحد معقول-كما أسلفنا- يبرر عدم ذكر حوادث العروج والإسراء في سورة واحدة - على افتراض حدوثهما معا - وأن يبرروا سبب انتظار الوحى مرور نحو ست سنوات حتى يفعل ذلك.
والمعضلة الثانية التي تعترض هؤلاء الوضاعين هي أنهم اضطروا لتحميل سورة النجم معان أخرى غير التي أرادها النص, فهي تتحدث - كما أسلفنا عن رؤية النبي لجبريل في مكة في أوائل البعثة النبوية.
أما من حيث المعاني التي لفقها الملفقون فهي شديدة التهافت وتنافي العقل.
والتخبط الشديد في تفاصيل العروج لَيدل على عدم صحة روايتها, فلو صح أن النبي طار إلى السماوات العلى لكان حدثا مرويا عن النبي بدقة برواية واحدة ثابتة يسجلها عنه معاصروه من الصحابة ممن شهدوا روايتها من النبي نفسه لأنها - على فرض حدوثها - تكون حدثا جللا وسابقة كونية فريدة يذكرها الناس جيلا بعد جيل, ولَمَا اختلف أحد في تفاصيلها على النحو الوارد في تراثنا الأصفر.
وما أجلَّه من حدث يستحق إيراده في سورة بالتفصيل الذي لا يقبل ريبة أو تأويل.
واسمع معي من سورة النجم : "والنَّجْمِ إِذَا هَوَى{1} مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى{2} وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى{3} إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى{4} عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى{5} ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى{6} وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى{7} ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى{8} فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى{9} فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى{10} مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى{11} أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى{12} وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى{13} عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى{14} عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى{15} إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى{16} مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى{17} لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى{18}النجم 1-18.
وبتأمل الآيات نرى أن المقصود هو جبريل, وهو المقصود بالدنو والتدلي (ثم دنا وتدلى ), (ولقد رآه نزلة أخرى ) المقصود والمعقول منطقا أن يكون المراد هو جبريل الذي نزل أول مرة ( وظهر بالأفق الأعلى ) ثم نزل مرة أخرى.
ذلك كله تفسير معقول ويؤكد بعضه بعضا, فالمقصود هو جبريل.
ولا يصح بأي حال القول بأن المرئي عند سدرة المنتهى هو الله تعالى ,إذ ينفي إمكان أن يراه أحد من البشر, وأخبر اللهُ موسى باستحالة ذلك لما طلب أن يراه, ودُك الجبل لما تجلى الله عليه.
والله يقول عن نفسه :"لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ" الأنعام 103, هكذا في وضوح لا يحتمل تنطع المتنطعين, كما يقول سبحانه :"وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ" الشورى 51.
هكذا في وضوح وقطع نافيين للريبة.
ذلك ما يخبر الله به عن نفسه, لكن المفسرين يقولون خلاف ذلك, والمسلمون يصدقونهم ويكذبون الله, والله لا يحده أحجام أو أبعاد أو أشكال, ولما يقول الله عن نفسه (ليس كمثله شيء) ينبغي علينا ألا نمثله بشيء فنقول إنه دنا وتدلى- تعالى الله علوا كبيرا عما يصفون ,(ولقد رأى من آيات ربه الكبرى), تلك هي رؤية جبريل وهو من الخلق النوراني, لذا كانت تلك (آية كبرى), وصحيح أن نبي الله إبراهيم رأى الملكين اللذين جاءا إليه قبيل تدمير قرية نبي الله لوط لكنهما كانا في صورة بشرية.
ويصف اللهُ جبريلَ بأنه(ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ), أي ذو قوة هائلة ,لكن محمد يراه وهو بشر غير مهئ لرؤية مخلوق غيبي نوراني, فكان لابد من استواء جبريل على نحو ما كي يتمكن محمد من رؤيته, (ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ) أي تحول بقدرة الله إلى صورة مرئية لمحمد البشري.
وكلمة(استوى)في تفسير الطبري مثلا معناها (ارتفع واعتدل), ولا معنى لارتفاع جبريل في هذا المقام لأنه مرتفع بالفعل و(هابط) من السماء إلى أفق الأرض فهو مرتفع بالفعل, مما يرجح معنى الاستواء كما نراه.
"وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى{13} عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى{14}:والزاعم أن النبي قد رأى جبريل مرة أخرى عند سدرة المنتهى أي في العالم السماوي فإن النص القرآني يكذبه, فالله يقول :"ولقد رآه نزلة أخرى", أي عند نزول جبريل مرة أخرى من السماء إلى الأرض مثلما نزل أول مرة وظهر له بالأفق الأعلى ثم اقترب حتى صار قاب قوسين أو أدنى, أي أن المرة الثانية التي رأى النبيُ فيها جبريل كانت في "النزول" مرة أخرى وليس في السماوات وإلا لم يكن ثمة معنى للقول (نزلة) أخرى.
ويلوي المفسرون الحقائق لَيَّا كي تنطق بمرادهم الذي يخالف العقل والمنطق.
وسنرى معا كيف يتخبط المفسرون عندما يعرضون لتفسير سورة النجم ,وهذا ما سنتناوله في المقال القادم.
انتهى المقال الخامس ويليه بإذن الله المقال السادس -بتصرف من كتابنا...بين القرآن والتراث -نبيل هلال هلال
6 - كيف يخرب المسلمون دينهم بأيديهم - المقال السادس في سلسلة القرآن في مواجهة التراث
نبيل هلال في الإثنين 06 مايو 2013
لتمام الفائدة نوصي بقراءة مقالات السلسلة بترتيب كتابتها:
سنرى الآن كيف يتخبط المفسرون عندما يعرضون لتفسير سورة النجم :
- تفسير البيضاوي :
يقول الله :( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى)النجم 8 ,وجاء في تفسيرالبيضاوي: (ثم دنا فتدلى) أي دنا جبريل من النبي وتعلق به وهو تمثيل لعروجه بالرسول ! – أي أن النبي طار إلى السماوات السبع وهو يتعلق بجبريل!
ورُوي عن ابن عباس في قول الله تعالى :"دنا فتدلى", أنه على التقديم والتأخير, أي تدلى الرفرف لمحمد ليلة المعراج فجلس عليه ثم رُفع فدنا من ربه !
والرفرف لمن لا يعرف هو بساط لونه أخضر, وربما كان ذلك هو أصل خرافة بساط الريح في ألف ليلة وليلة وقصص الأطفال.
ولم يقل لنا الوضاعون ما الضرورة لهذا اللف والدوران بتقديم وتأخير مالم يكن القصد هو لي المعاني واستنطاق النص بغير قصده.
وكيف يكون تدلي (رفرف) بضخامة سد الأفق !
حتى يتهيأ لركوب النبي عليه- القصة كلها تكشف عن خيال بدوي لا يقوى على البعد كثيرا عن تصورات ركوب البعير والبغال.
وكيف يكون الدنو من الله تعالى, أَبِرُكوب الرفرف !
وماذا عن قول الله تعالى عن نفسه :{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}ق16, والله يقول عن نفسه :" {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}البقرة186ويقول:{وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}البقرة255.
ويكشف هذا الكلام عن تصور بشري شديد القصور والجهل عن الذات الإلهية, وهي معان يردها النص القرآني
وما قدروا الله حق قدره.
- تفسير فتح القدير : يقولون في الآية (والنجم إذا هوى) : النجم هو النبت الذي لا ساق له, وقيل هو محمد ! وقيل القرآن لكونه نزل منجما مفرقا, وقيل هي النجوم التي تُرجم بها الشياطين, وقيل النجم هو الزهرة....... فلا شئ ثابت مؤكد, بل كلها تخمينات وظنون وليس الظن كاليقين.
وقالوا في الآية (علمه شديد القوى), إنه الله أو جبريل !!
ولا يجوز- عقلا وأدبا- القول بهذا التفسير, فلا يصح بأي حال وصف الله تعالى بأنه شديد القوى, وإنما يجوز هذا الوصف على أحد من خلقه, فالله هو القوة والقدرة والشدة المطلقة, فالإطلاق لله تعالى, وباقي الآية يقول "ذو مرة فاستوى", ومن معاني ذي مرة هو صحة الجسم وسلامته من الآفات والعاهات.
تفسير الطبري : (والنجم إذا هوى) أي القرآن إذا نزل.
ومن أطرف وأسخف ما قيل في تفسير الطبري قولهم في تفسير الآية ( رأى من آياته الكبرى), يقولون رأى رفرفا أخضر يسد الأفق ! أي بساطا أخضر اللون.
وجاء أيضا في تفسير الجلالين والقرطبي نفس الكلام عن بساط الريح الأخضر الذي يسد الأفق, وما الحاجة إلى بساط بهذا الحجم إذا كان من يركبه شخص واحد, فجبريل بحسب تفسيريْ الجلالين وابن كثير له 600 جناح, فما حاجته أن يركب البساط مع النبي !
وخصوصا أن تفسير البيضاوي يقول إن النبي كان يتعلق بجبريل.
ومن يقول نحوا من ذلك لا يجد من يستحمقه أو يستجهله.
تفسير الجلالين : وجاء في تفسير الجلالين أن سدرة المنتهى هي شجرة نبق عن يمين العرش لا يتجاوزها أحد من الملائكة, بينما هي بحسب تفسير القرطبي في السماء السادسة.
وإليك مجموعة من الطرائف والأكاذيب التي ما أنزل الله بها من سلطان نوجزها لك من تفاسيرنا الموروثة المعتبرَة:
سدرة المنتهى (بحسب التراث): يبلغ حجم ورق شجرة سدرة المنتهى مثل آذان الفيلة ويخرج من ساقها نهران ظاهران ونهران باطنان !
وسأل النبي جبريل: ما هذا ؟ قال :أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات!
ونسبوا إلى النبي قوله عن سدرة المنتهى أنه يسير الراكب في ظل الغصن منها مئة سنة, والورقة منها تغطي الأمة كلها. وقيل في سبب تسمية الشجرة بسدرة المنتهى, أن الأعمال تنتهي إليها وتقبض منها, أو أنه ينتهي علم الأنبياء عندها ويعزب علمهم عما وراءها, أو أن الأنبياء والملائكة ينتهون إليها, أو تنتهي إليها أرواح الشهداء وكل من كان على سنة محمد, أو لأنها شجرة على رؤوس حملة العرش وينتهي إليها علم الخلائق, أو لأن أعالي أغصانها تجاوز رؤوس حملة العرش !
أو...أو... ,إن ذلك الكلام ومثله, قد لا يبدو غريبا ,حتى اللحظة التي تبدأ فيها بعرضه على ميزان العقل والمنطق.
إن الإسلام الحقيقي أعظم بكثير مما يخبرنا به المشايخ والدراويش.
جنة المأوى (بحسب التراث): هي الجنة التي تصير إليها أرواح الشهداء, ويقول ابن عباس إنها عن يمين العرش !
بينما الله تعالى يقول :" وسع كرسيه السماوات والأرض" فأي يمين هذا !
وأنها الجنة التي تأوي إليها أرواح المؤمنين, وهي تحت العرش, وقيل إنها جنة المأوى لأن جبريل وميكائيل يأويان إليها.
وللعاقل أن يتساءل مَن لهؤلاء الوضاعين بطبوغرافية الكون العلوي وخرائط الملأ الأعلى !
وهل هناك أي سبب معقول يدعونا إلى تصديق ذلك! يقول الماوردي في معاني القرآن له : فإن قيل لمَ اختيرت السدرة لهذا الأمر دون غيرها من الشجر ؟
قيل لأن السدرة تختص بثلاث أوصاف: ظل مديد, وطعم لذيذ, ورائحة ذكية !!!!
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
انتهى المقال السادس ويتبعه السابع إن شاء الله -بتصرف من كتابنا.....بين القرآن والتراث - نبيل هلال هلال
7- العروج بين الخيال العلمي والخيال الخرافى - المقال السابع من سلسلة مقالات القرآن في مواجهة التراث
نبيل هلال في الجمعة 10 مايو 2013
هذه المقالات موجهة أساسا للمسلم الذي يصدق خرافات العروج التي اصطنعها الملفقون بينما يكذب كلام ربه بعدم حدوث مثل هذا العروج الموهوم (كما جاء في الآية 93 من سورة الإسراء):
عندما لم يجد الوضاعون سببا معقولا للعروج زعموا أن الغاية منه هو تلقي الأمر بفرض الصلاة, وانفردت الصلاة بزعمهم بهذا الفضل لأهميتها وكرامتها, وإن كان الأمر كما قالوا, لكان تلقي القرآن أولى فهو أكرم من الصلاة, علما بأنه لم يرِد أي ذكر للصلاة في سورة النجم.
ومن المعلوم أن النبي والمسلمين كانوا يصلون قبل الإسراء فكانوا يؤدون صلواتهم في مكة قبل العروج "وكان جبريل قد علَّم النبي (ص) الوضوء والصلاة في أول الوحي ( ابن الأثير – الكامل في التاريخ – الجزء الثاني- ص 50 – 51 ).
ولم يكن فرض صلاتهم في السماء.
ولتلافي ذلك التعارض يذكر تراثنا "أن الإسراء وفرض الصلاة كانا أول الوحي!
( جاء ذلك في تاريخ ابن خلدون –المجلد الثاني – ص 404 نقلا عن تاريخ الطبري ).
وجاء في الكامل في التاريخ " أن أول شئ فرضه الله من شرائع الإسلام بعد الإقرار بالتوحيد والبراءة من الأوثان الصلاة وأن الصلاة لما فُرضت عليه صلى الله عليه وسلم, أتاه جبريل وهو بأعلى مكة فهمز له بعقبة في ناحية الوادي, فانفجرت فيه عين, فتوضأ جبريل وهو ينظر إليه ليريه كيف الطهور للصلاة, ثم توضأ رسول الله مثله ,ثم قام جبريل فصلى به وصلى النبي, ثم انصرف, وجاء رسول الله إلى خديجة فعلمها الوضوء, ثم صلى بها فصلت بصلاته (ابن الأثير – الكامل في التاريخ – المجلد الثاني – ص 50 -51 ).
وقالوا إن النبي أُعطي أيضا في هذه الرحلة خواتيم سورة البقرة, وقد نسي الوضاعون أنها سورة مدنية نزلت بعد أكثر من ثلاث عشرة سنة من بدء البعثة النبوية, أي أبعد زمنا من كل التقديرات والتواريخ التي تباينت فيها آراء من حدد تاريخ الإسراء.
وكلام تراثنا الأصفر عن تفاصيل العروج لا يغيب عنه مفردات المجتمع البدوي البدائي الذي يكشف في يُسر حقيقة التزييف, ويدل على طبيعة الخيال البدوي الساذج, فوسيلة اختراق الفضاء والصعود من سماء إلى أخرى كانت ببساط الريح (الرفرف) مثلما كان الإسراء بدابة مجنَّحة اسمها البراق, وينتهي خفها حيث ينتهي طرفها, ولم يقل لنا أحد ما جدوى ذلك إذا كانت هذه الدابة تطير بأجنحة! وجاء في روايات أخرى أن اختراق السماوات كان أيضا بالبراق.
والفرق كبير بين الخيال الخرافي وبين الخيال العلمي, فالخيال العلمي مبدع يبتكر أشياء على غير مثال سابق ولا يعدم التفسير العلمي المقبول, خلافا للخيال الخرافي الذي يختلق الأشياء دون علة مقبولة وتكون في حدود مثال سابق.
فالخيال العلمي تخيل الطائرة, والخيال الخرافي اختلق بساط الريح, والخيال العلمي تصور الصعود إلى القمر ولكن بمدفع كبير وهمي له قوة دفع كبيرة تتغلب على قوة الجاذبية الأرضية وهو تفكير علمي معلل, والخيال الخرافي يتصور الطيران بحيوان دون الحصان وفوق الحمار وله أجنحة كبيرة كأجنحة الطير, فهي عقلية عاجزة عن ابتداع صور على غير مثال سابق يعرفه ولا يقدر على تصور غيره, والخيال العلمي يدور في نطاق إدراك أن الكون محكوم بعلل وأسباب لا يمكن الانفلات منها, على عكس الخيال الخرافي الذي لا يخضع لأي ضوابط.
وخرافات تراثنا الأصفر محسوبة على الإسلام ,فيدُكَ منك وإن كانت شلّاء.
وترد إشارات تشي بهوية مزوري هذه المرويات وبغلظة طباعهم البدوية المخالفة للروح الإسلامية ومجافاتهم للخلق الإسلامي, فبين قائل إن نبي الله موسى كان يرفع صوته على الله معاتبا, ولما استنكر النبي ذلك من موسى وسأل جبريل :"ويرفع صوته على ربه؟!
أجابه جبريل :" إن الله قد عرف له حدته ! وبين قائل بأن نبي الله موسى بكى بعد أن التقى بمحمد في السماء, ولما سأله جبريل : ما يبكيك ؟ فقال : أبكي لأن غلاما - يقصد النبي محمد - بُعث من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخل الجنة من أمتي !
هكذا في حسد مشهود ننزه نبي الله موسى عنه, وبين قائل بقصة دهْم الملائكة لبيت النبي عبر السقف لمَّا أرادوا إعداده للعروج بشق صدره وكأن الملائكة تخالف أدب دخول البيوت من أبوابها : " وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "البقرة189, ويبررون هذا الانتهاك لحرمات البيوت على النحو المذكور على أنه مبالغة في المفاجاة !! وما وجوب المفاجأة في هذا المقام ؟ قالوا لإعلام النبي بأن انفراج سقف بيته هو توطئة لشق صدره !
( الإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي – خلاصة الفضل الفائق في معراج خير الخلائق), وكيف يعجز الملَكان عن دخول البيت إلا بعد شق سقفه, في حين يتمكن الحمار(البراق) من اختراق السماوات العلى !
انتهى المقال السابع ويليه الثامن بإذن الله -بتصرف من كتابنا...بين القرآن والتراث -نبيل هلال هلال البنا
8- التراث الإسلامي يسيء إلى الحبيب المصطفى - المقال الثامن من سلسلة القرآن في مواجهة التراث
نبيل هلال في الجمعة 10 مايو 2013
هذه المقالات دعوة الى مراجعة تراثنا الموصوف بأنه إسلامي :
وحكاية شق صدر النبي جد عجيبة, والوضاعون مغرمون بها فقد سبق لهم زعمها بقول إن النبي شُق صدره ثلاث مرات, مرة وهو طفل في بني سعد, لتطهير قلبه وشرح صدره وإعداده لتحمل أعباء النبوة مستقبلا, ومرة عند البعثة زيادة في إكرامه ليتلقى ما يوحى إليه بقلب قوي, وإن كان الأمر على ما قالوا, فلماذا لم تُشق صدور سائر الأنبياء !
وقالوا بحدوثها أيضا قبيل الإسراء ليتأهب للمناجاة - ونبي الله موسى ناجى ربه دون شق صدره ,والنبي لم يقل إن الله ناجاه - فحكوا أن جبريل شق من ثُغرة نحر النبي إلى أسفل بطنه, ثم قال جبريل لميكائيل- فقد كان معه يؤدي وظيفة مساعد جراح : ائتني بطست من ماء زمزم كيما أطهر قلبه وأشرح صدره, فاستخرج قلبه, فغسله ثلاث مرات, ونزع ما كان فيه من أذى, واختلف إليه ميكائيل بثلاث طسوت من ماء زمزم, ثم أتى بطست من ذهب مملوءة حكمة وإيمانا, فأفرغها في صدره, وملأه حلما وعلما ويقينا وإسلاما, ثم أطبقه ثم ختم بين كتفيه بخاتم النبوة.
وهل الإيمان والحكمة والعلم والإسلام أشياء مادية يمكن حشو القلوب بها ؟
وكيف لنا بطاقة الاقتداء سلوكا واعتقادا بنبي أفرده الله بهذه الإمكانات التي أعانته - أي حيازة الحلم والعلم واليقين والإيمان - في حين أن سائر الناس لم يحظوا بمثل ما حظي به من هذه الهبات (الحلم والعلم واليقين والإيمان ) التي تُعِين على طاعة الله ؟ ألم يكن الله قادرا على ملء قلب نبيه بالإيمان فورا بلفظ (كن) دون الحاجة إلى ماء زمزم والطست.
ويمعن الملفقون في غيهم فيقولون إنهم كانوا يرون أثر المخيط في صدره الشريف, في حين أن جرَّاحي اليوم يجرون جراحاتهم دون أثر يُرى تقريبا ولا يحتاجون لاستخراج القلب إلى شق الصدر كله من النحر إلى العانة كما فعل جبريل ومساعده ميكائيل بحسب قولهم, ولو فعلها طبيب الآن لطُرد من نقابة الأطباء وألغي ترخيصه بمزاولة المهنة !
وقصة شق الصدر هذه لا دليل عليها سوى كلام الإخباريين, وهدفهم إثبات أن النبي في طفولته لم يكن طفلا بشريا عاديا ,تماما كما وصفوا لحظة ميلاده بأن النور خرج من أمه فأضاء ما بين المشرق والمغرب !
وكأن الناس سواهم عُمْي لم يروا ذلك أو يلاحظوه, ولو كان قد حصل لسجلته ذاكرة المعاصرين من مشركين وعرب وعجم.
والإخباريون الذين زعموا شق صدر النبي لملئه حكمة وعلما ليعد النبي لتبعات ومشاق النبوة نسوا ذلك فزعموا أن النبي لما استبطأ معاودة جبريل في بداية البعثة, همَّ غير مرة بإلقاء نفسه من فوق الجبل لينتحر!!!!
فأين حصانة شق الصدر وملئه بالحكمة ؟
ومن المفتريات التي يأنف المرء من قبولها, القول بأنه لما أُسري بالنبي, كان أول سؤال وجهه لربه كان عن النساء والحور العين !
وكأن قلبه -حاشاه-لم يكن منشغلا بتلك المعجزة الخارقة, ولا بحمد الله وشكره عليها, بل يقول تراثنا الأصفر" إن جبريل فور وصوله ومحمد إلى بيت المقدس قال لمحمد : يامحمد هل سألت ربك أن يريك الحور العين ؟ قال نعم, فقال فانطلِق إلى أولئك النسوة فسلم عليهن, وهن جلوس عن يسار الصخرة, قال: فأتيتهن فسلمت عليهن فرددن على السلام, فقلت : من أنتن ؟
فقلن : نحن خيرات حسان, نساء قوم أبرار, نَقُوا فلم يَدْرَنُوا, وأقاموا فلم يظعنوا, وخلدوا فلم يموتوا ( المرجع :عن أنس بن مالك – انظر الإسراء والمعراج – ابن حجر العسقلاني, والسيوطي – ص 21- طبعة دار الحديث ).
ويقول قائلهم إنه عُرج بالنبي إلى موضع يسمع منه صريف الأقلام !
أيْ صوت أقلام الملائكة وهي تكتب قضاء الله وقدره, وذاك كان أقصى علم من اصطنع هذا الكلام إذ لم يعرف سوى الكتابة بأقلام البوص التي تحدث صوتا عند الكتابة بها على جلود الماشية وعظامها, ولم يكن ليعلم- طبعا - الكتابة بالحواسيب والآلات الكاتبة, وربما عافتها الملائكة وواصلت الكتابة بالأقلام المصنوعة من البوص من باب من فات قديمه تاه !
وإذا كان ذلك هو قولهم, فالسميع والأصم فيه سواء.
انتهى المقال الثامن ويتبعه التاسع بإذن الله تعالى –
بتصرف من كتابنا....بين القرآن والتراث- نبيل هلال هلال البنا
9- هل موسى أحكم من الله؟ تراثنا يجيب : نعم - تعالى الله عما يصفون-المقال التاسع من سلسلة القرآن في مواجهة التراث
نبيل هلال في الثلاثاء 21 مايو 2013
التاسع:
وقصة فرض الخمسين صلاة جد عجيبة : ونكتفي بذكر ما جاء عن تخفيف عدد الصلوات بما ذكره ابن الأثير في تاريخ الكامل – المجلد الثاني – ص 55, يقول:" بعد وصول النبي إلى عرش الله !!
فرض الله خمسين صلاة على المسلمين, ولما أتى النبي موسى سأله : ماذا فرض الله عليك وعلى أمتك؟
فقال النبي :خمسين صلاة, فقال موسى: فإني قد بلوت بني إسرائيل قبلك وعالجتهم أشد المعالجة على أقل من هذا فلم يفعلوا ,فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ,فرجع النبي إلى ربه وسأله ,فخفف عنه عشرا.
فرجع إلى موسى فأخبره ,فقال : ارجع واسأله التخفيف ,فرجع فخفف عنه عشرا ,ولم يزل بين ربه وموسى حتى جعلها خمسا ,فقال :ارجع فاسأله التخفيف ,فقال النبي : إني استحيت من ربي وما أنا براجع ,فنودي : إني قد فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة ,والخمس بخمسين ,وقد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي – بتصرف.
ومراجعة النبي لله كي يقلل عددها بناء على توصية من موسى, غير مقبولة, فمن ذا الذي يجرؤ وهو في مقام الحضرة الإلهية المهيبة - على افتراض حدوث العروج - على مجادلة الله ليخفض عدد الصلوات التي فرضها, ويعود إليه عدة مرات ليراجعه على طريقة تجار العرب في الفصال لاستنزال ثمن السلع, والعجيب أن واضع القصة يقول على لسان النبي وهو يحدث الله : رب إنك فرضت علي وعلى أمتي خمسين صلاة وإني لا أستطيعها أنا ولا أمتي فخفف عنا.
والمعلوم أن النبي كان يصلي من الفروض والنوافل وفي قيام الليل أكثر من ذلك.
وكيف يقول الله لمحمد - بحسب القصة : يا محمد إني يوم خلقت السماوات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة في كل يوم وليلة فقم بها أنت وأمتك, ثم بعد ذلك يقبل الله هذه المراجعة وهذه المساومة! وموسى إذ يقترح على محمد معلِّلا بأن أمته لن تطيق الخمسين صلاة, فمن أين له علم الغيب بأمة محمد, وإن عَلِم أَلم يكن محمد أولى بعلم ذلك عن أمته ؟
وهل يمكن تخفيض العبادة قبل التكليف بها ؟
وفيم كان فرضها خمسين صلاة في الأزل ثم نسخها على نحو يتعارض مع حكمة الشارع الذي يبدل شرعه دونما داع غير اقتراح من أحد خلقه (موسى), أغاب ذلك عن علم الله في الأزل ؟
تعالى الله علوا كبيرا عما يصفون.
والقول بنسخ التكليف قبل العمل به يقع ضمن البداء, وهو محال على الله تعالى, سبحانه قد أحاط بكل شيء علما( البداء معتقد شيعي مفاده أن الله يغير رأيه فيما قضى عندما يتبين له أن الصواب في غيره !!!!!!! تعالى الله علوا كبيرا عما يصفون ).
وحكاية هذه المراجعات ينفيها قول الله تعالى:{مَايُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}ق29, وهي مراجعات لا يجرؤ على فعلها أحد مع ملك أو سلطان, فكيف مع الله !
ولو كان الأمر على ما ذكروا من أن الصلاة المفروضة كانت أصلا خمسين صلاة, وكل صلاة يلزمها طهارة, وكانت الطهارة واجبة التجديد في أول الأمر ثم نُسخ الوجوب إلى الندب, لكان على المسلم قضاء يومه كله بين وضوء وركوع وسجود ولا شيء غير ذلك, فلا يتسع وقته للضرب في الأرض وطلب الرزق, مما يصعب معه عمارة الأرض, وهذا ما لا يقره عقل أو شرع.
وطوبى لمن احترم عقله.
انتهى المقال التاسع ويليه العاشر بإذن الله من سلسلة مقالات القرآن فى مواجهة التراث –بتصرف من كتابنا.....بين القرآن والتراث- نبيل هلال هلال
10- من كفريات قصة العروج- المقال العاشر من سلسلة القرآن في مواجهة التراث
نبيل هلال في الثلاثاء 21 مايو 2013
المقصد الأساسي لهذه المقالات هوالحض على إعادة النظر في تراثنا الموصوف بالإسلامي ,واستخلاصه من بين براثن الإسرائيليات:
ويتمادى الوضَّاعون في تخيلاتهم حتى تقترب بهم من الكفر والخروج من الملة, مثل قولهم إن آدم تُعرض عليه أرواح ذريته وهو جالس في السماء الدنيا, فيصنفها بين طيِّبة وخبيثة, ويأمر بالطيبة فتدخل الجنة, ويأمر بالخبيثة فتدخل النار (المرجع : كتاب الإسراء والمعراج لابن حجر العسقلاني والسيوطي – جمع وتحقيق محمد عبد الحكيم القاضي).
وذاك التصنيف والأمر بالدخول في الجنة أو النار, من أمر الله وحده وليس لبشر وإن كان نبيا.
ومثل قولهم إنه أثناء الإسراء مع جبريل, قابل النبي خلقا من الخلق فقالوا له :"السلام عليك يا أول, السلام عليك يا آخر, السلام عليك يا حاشر, فقال له جبريل : اردد السلام يا محمد, فرد السلام (المرجع السابق).
والمعلوم أن الوصف بالأول والآخر والحاشر لا يجوز لغير الله تعالى, والغريب أن يسمع النبي وجبريل ذلك ولا ينتقدانه.
وزعموا أن النبي رأي أثناء عروجه الجنة والنار, علما بأنهما لم تُخلقا بعدُ, فمآل الكون كله إلى فناء - عدا الله تعالى – فما معنى خلقهما دون وظيفة في الدنيا إذ تبقيان خاليتين بلا نزلاء حتى قيام الساعة, ثم تدميرهما وإعادة إنشائهما بعد الدنيا في الآخرة والله منزه عن العبث.
وسدرة المنتهى...أشَجَر وزرع في السماء وأنهار دجلة والفرات وسيحون وجيحون ؟!
وماذا يصنع الأنبياء في السماوات العُلى!
إنهم بشر عاشوا ثم ماتوا, وهم في ذلك مثل سائر الخلق ومثلنا بعد الممات بانتظار البعث يوم القيامة.
ولما تباينت مزاعم الوضاعين واختلف كلامهم عن سكان السماوات من الأنبياء, كان تداركهم أشد غرابة, فلما اختلفوا مثلا بشأن مكان نبي الله إبراهيم, قالوا مرة إنه كان في السماء السادسة ومرة أخرى في السماء السابعة, واستدلوا بذلك على أن الإسراء حدث مرتين ,"ويكون في كل مرة وُجد في سماء, وإحداهما موضع استقراره ووطنه, والأخرى كان فيها غير مستوطن ( المرجع : صحيح مسلم بشرح النووي ).
وذكروا أنه كان مسندا ظهره إلى جدار البيت المعمور في السماء السابعة, ولما تباينت مزاعمهم عن هذا البيت المعمور, عادوا فقالوا إنه في السماء الرابعة, وقيل في السادسة, وقيل تحت العرش, وهو بيت على مثل البيت الحرام لو سقط لسقط عليه ! حُرمته في السماء كحرمته في الأرض, واسمه الضراح!
واختلفوا في الحكمة في اختصاص كل نبي بالسماء التي لقيه النبي فيها, ولماذا لم يجتمع كل الأنبياء معا في مكان واحد, وانتهوا إلى أنه لا حكمة من وراء ذلك, وإنما أُمروا بملاقاته فمنهم من سبق ومنهم من لحق !
وكُتب التفاسير التي ورد بها أن الأرض يحملها حوت, ليس بالغريب عليها أن تقول بصعود النبي إلى السماوات السبع على بساط الريح, فالعقلية الخرافية هي التي أنتجت مثل هذا الكلام, وهي نفسها التي تقبله وتروجه, وهي عقلية قلما تنهزم أمام العلم والمنطق بسهولة.