السبت، 24 سبتمبر 2016

اجتماع صلاة الجمعة حدث اجتماعي ام فريضة دينية


من عادات أهل الشرق تقديس يوم في الأسبوع، فقد عرف في بابل تقديس يوم السبت وهو يوم الراحة وترك أعمال الزراعة وصناعة المنتجات والتفرغ للتسوق واللهو والعبادة والعودة للبيت ، وبعد السبي البابلي لليهود انتقل تقديس السبت عادةً إلى اليهود ، وقام عزرا الكاهن بصناعة معتقد لتقديس هذا اليوم باعتباره يوم استراحة الرب بعد عملية الخلق، فكان رد القرآن: “وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ [[لُغُوبٍ]]” [ق:38] لغوب أي لم يمس الرب أي تعب وعناء حتى يحتاج الراحة.

 
1

انتقل تقديس السبت إلى المسيحية، ثم أضيف يوم الأحد إلى السبت في فترة لاحقة، ثم استقل الأحد بالتقديس عند المسيحيين بسبب اختلاق عقيدة قيامة المسيح من بين الأموات، وفي عام 364م اعتمد مجمع لاودكية الكنسي الأحد يوماً مقدساً عند المسيحيين فقط وألغى السبت، وكان دليلهم العودة للأناجيل واعتبار اجتماع المسيح بتلاميذه يوم الأحد مصدراً وحجة لهذا التقديس. مع أن الأصل أن يوم الأحد يوم الشمس المقدس عند الوثنيين قبل أن يعتنقوا المسيحية ، ثم تم تلبيسه عقيدة مسيحية ! .

2

أما بالنسبة للمسلمين فقد حدث اجتماع للأنصار قبل الهجرة النبوية للمدينة، وفي هذا الاجتماع تم الحديث عن الاجتماع الأسبوعي لليهود يوم السبت والاجتماع الأسبوعي يوم الأحد عند المسيحيين، فاقترحوا أن يكون الاجتماع يوم الجمعة بمبادرة منهم حيث يقول ابن سيرين : (( أن تجميع الأنصار بالمدينة [[ إنما كان عن رأيهم ]]، من غير أمر النبي ﷺ [[ بالكلية ]] ، وأن ذلك قبل [[فرض الجمعة]] )) فتغير اسم ذلك اليوم من يوم العروبة إلى يوم الاجتماع والجمعة ، ويفيدنا استاذ الفلسفة وانثروبولوجيا الأديان في السوربون يوسف الصديق : (( ..عروبة أي يوم الفرحة ، موجودة الكلمة في القرآن.. ” عُرُبًا أَتْرَابًا ” [ الواقعة : 37 ] ..أي الفرحان ..)) وفي مقاييس اللغة : ((المرأة العَرُوب: الضَّحاكة الطيِّبة النفس )) والصحاح في اللغة : ((والعَروبُ من النساء: المتحبِّبة إلى زوجها، والجمع عُرُبٌ. ومنه قوله تعالى: “عُرُباً أتراباً” ويوم العَروبةِ: يوم الجمعة، وهو من أسمائهم القديمة.))، فقد كان يوم الراحة والفرح والمرح واللهو والاجتماع عند العرب قديماً . كان هدف الاجتماع أن يكون تجمع اجتماعي سياسي جديد في المدينة في يوم اللهو والمرح والاجتماع ويوم السوق ، وترأس الاجتماع أسعد بن زرارة، وهو شخصية محورية في مرحلة التأسيس، فقد كان ضمن وفد الحجاج لمكة مع الخزرج حين عرض عليهم النبي  الإسلام، ثم عاد لمكة في بيعة العقبة الأولى والثانية، واستقبل النبي  عند هجرته للمدينة، وباعه داراً ليتيمين كان يرعاهما، من أجل المشاركة في بناء المسجد النبوي.

3

النبي ﷺ كان تاجراً، وشارك في رحلات التجارة، وأصبح مسؤولاً عن تجارة زوجته السيدة خديجة رضي الله عنها، وبعد البعثة مكث 10 سنوات يزور تجمعات الوفود والحجاج يبلغهم الدعوة، ومن أهم تجمعاتهم في الأسواق قبل الحج: سوق عكاظ في الطائف، وسوق مجنة في مكة الذي كان يقام في شهر ذي القعدة، وسوق ذي المجاز في مكة الذي يقام في بداية ذي الحجة. وفي أحد التجمعات التقى بحجاج الخزرج والتقى بأسعد بن زرارة الذي ترأس أول اجتماع جمعة في المدينة قبل الهجرة. من هذه الخلفية التجارية، وأهمية الأسواق في حياة العرب، فقد كانت تجمعاً اجتماعياً اقتصادياً سياسياً، ومنبراً إعلامياً يلتقي فيه الشعراء والخطباء – انطلقت علاقة النبي ﷺ بزيارته للأسواق، وفي سوق عكاظ استمع لخطبة قس بن ساعدة الإيادي، فاستثمر فكرة التجمعات في الأسواق وفكرة الخطبة – وتتم في الأسواق حل الخصومات، وكذلك عقد الأحلاف السياسية، لذلك بعد الهجرة النبوية للمدينة أقام سوق البطحاء (المناخة) في المدينة ، فتأسس سوق منافس لسوق اليهود .

قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ 9 فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 10 وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ 11″ [الجمعة]، عندما يتم تصدير الآيات بـ”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا” فهي نداء بحسب النص والقرائن المرافقة لها لا تخص إلا المجتمع التأسيسي والجيل المصاحب للنبي ﷺ، إلا أن يكون السياق يحتمل معنى أخلاقي شامل وليس حكم خاص ، لكن عند تتبع الآيات ومقارنتها فإنها لا تختص إلا بجيل النبي ﷺ، والقرينة في سورة الجمعة “وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا [[وَتَرَكُوكَ قَائِمًا]]”، فالسورة تحكي عن خبر تاريخي حدث في السوق، ذلك السوق الذي أنشأه النبي ﷺ، واستثمر فكرة وجود الخطباء في الأسواق عند العرب، واجتماع الأنصار الأسبوعي الذي تبناه ، لتكون له خطبته الأسبوعية لتبليغ الوحي ويلقي عليهم القرآن الكريم بحسبما يتنزل وفق الأحداث والوقائع، فكان الجانب الديني الخاص بالنبي ﷺ هو تلك الخطبة وركعتي نافلة طلباً للبركة، وبما أنه لم يكن يخطب بغير القرآن – وهو أمر مطروح في التراث –  فلم يصلنا شيئاً من الخطب التي ينتظر البعض أن تكون وعظاً وإرشاداً وأحاديث وقصصاً، والقول أن الآيات لا تدل على أن الجمعة فريضة قول طرح قديماً فقد قال نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي: ((أطبقت الأمة المحمدية على فرضية صلاة الجمعة مع كمال شروطها، لما حصل لهم من الأدلة على ذلك من أفعاله صلى الله عليه وسلم وأقواله وحملوا الآية على ذلك، فإذا ظهر لك أن الآية ليست نصاً في إيجاب صلاة الجمعة، وإنما إيجابها بانضمام ما عُلم من السنة إليها .. )) فالدليل هو ما يسمى الإجماع والتراث والمرويات وما ينسب للنبي ﷺ وليست سورة الجمعة .

كما أن هذا الاجتماع الأسبوعي فرصة لمناقشة الشأن الاجتماعي والسياسي، وأمور الحرب والسلم، قال تعالى في موضوع الشورى حيث كان يجتمع بهم النبي ﷺ ويشاورهم: “وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ [[ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ]] وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ” [الشورى:38]

“فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ [[وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ]] فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ” [آل عمران:159].

بوفاة النبي ﷺ انتهى الجانب الديني في تبليغ آيات القرآن الكريم، وبقي اجتماعاً وشأناً اجتماعياً سياسياً مناسباً للمجتمع العربي وفق ثقافة ذلك العصر. اجتماع اسبوعي على هامش السوق يحضره الذكور كونهم من يختص بالتجارة في تلك الثقافة، لكن الفقهاء كان لهم رأي آخر، كان أمر السوق حاضراً عند الإمام مالك فكان من شروط إقامة الجمعة عند المالكية كما يذكر ابن قدامة : (( المالكية اشترطوا أن تكون قرية كبيرة يوجد بها [[سوق]] وجامع وجماعة ))، وشرط السوق كان موجود ضمناً في تخطيط المدن وتحديد إقامة الجمعة في الأمصار التي حددها عمر بن الخطاب حيث : ((اشترط رضي اللّه عنه، أن يلبي التصميم الهندسي، ضرورة توسط المسجد الجامع تخطيط المدينة، وبجانبه [[السوق]])). 

4

واعتبر الفقهاءُ السلطانَ هو الوريث للنبي ﷺ، فتنتقل إليه وراثة اجتماع الجمعة وخطبة الجمعة، فكانت شروط الفقهاء حاضرة عن السلطان، يقول السرخسي (ت:483هـ): “[[والسلطان]] شرط من شروط الجمعة” ويذكر الشيرازي (ت:476هـ): “السنة أن لا تقام الجمعة بغير إذن [[السلطان]] فإن فيه افتئاتاً عليه” وكما يؤكد الماوردي (ت:450هـ): “إن الشريعة تعطي [[السلطان]] الحق في السيطرة على مساجد الجمعة”. كان شرط حضور الإمام أو السلطان حاضراً في خمسة مذاهب إسلامية، وإن غاب عند المالكية والشافعية والحنابلة إلا أن شرط موافقته أو تبليغ أوامره للناس بقي حاضراً:

5

وقد قدم الفقهاء العديد من التنازلات مع تقادم الزمن وتناسي أسباب الحدث الأول وملابساته، وتم اعتباره فرضاً دينياً وفق دليل الإجماع :

6

ولنلاحظ أثر التنازلات الفقهية في هذا الجدول:

7

ومن الإشكالات على الأحكام الفقهية أيضاً:

8

يمكن استشفاف أسباب عدم تكليف النساء مثلاً بسبب المجتمع الذكوري في ذلك العصر الذي لا يناقش في أمور المجتمع إلا الذكور ، كذلك المسافر الذي ليس من أبناء البلد ما حاجة مناقشته في أمور البلد ، الاجتماع شأن اجتماعي لأهل المكان ، فليس من المقبول حضور الغريب ليناقش أوضاع وأحوال أهل المكان ، والأمر ينطبق على المملوك فالمطلوب وجود أهل الحل والعقد ومن يستطيع مناقشة أحوال المجتمع وصناعة التغيير والتأثير ممن يملك رأيه وحريته وقراراته ، أما المساجين فهم من تمت معاقبتهم لإخلالهم بالمجتمع ، وليس من المقبول إخراجهم أو حتى السماح لهم بمناقشة أمور المجتمع الذي تسببوا في أذيته بالخروج على قوانينه .

في العهد النبوي لم يعرف أنه أقيمت الجمعة إلا في المدينة ، وقيل أيضاً في مسجد جواثا في البحرين القديم – الأحساء حالياً – وهي مدينة تجارية ، بعد عام 9 للهجرة في بعض الاحتمالات ، وهناك تشكيك بحدوث ذلك ، أما في عهد الخلفاء الراشدين فقد ورد أن الجمعة أقيمت فقط في 7 أمصار ، وهي مراكز سياسية تتفاعل مع المركز والسلطة ومنبر إعلامي ، لقد كانت مجالس شورى مفتوحة ، وفي كل مصر جمعة واحدة فقط ولا يجوز إقامة جمعتين في نفس المكان ، وتلك الأمصار السياسية الحضارية هي نفسها التي أرسل لها عثمان بن عفان رضي الله عنه نسخ المصاحف : ((..عن الحسن أنه قال: [[لا جمعة]] إلا في الأمصار. فقلت له: يا أبا سعيد، ما الأمصار؟ قال: المدينة والبصرة والكوفة والبحرين والجزيرة والشام ومصر . وعن جابر قال: سمعت عمر بن الخطاب (ر) سنة عشرين يقول: الأمصار سبعة: فالمدينة مصر، والشام مصر، ومصر والجزيرة والبحرين والبصرة والكوفة.)) . مما سبق نفهم ما ذكره ابن قدامة عن عدم إقامة الصحابة للجمعة وإن وضعه في غير موضعه : ((والخلفاء الراشدون رضي الله عنهم ، كانوا يسافرون في الحج وغيره ، فلم يصل أحد منهم الجمعة في سفره ، وكذلك غيرهم من أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم . وقد قال إبراهيم : [[ كانوا يقيمون بالري السنة ]] وأكثر من ذلك ، [[وبسجستان السنين ]] . لا يجمعون ولا يشرقون وعن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال : [[أقمت معه سنتين بكابل]] ، يقصر الصلاة ، ولا يجمع رواهما سعيد . وأقام أنس [[ بنيسابور سنة أو سنتين]] ، فكان لا يجمع ، ذكره ابن المنذر ، وهذا إجماع مع السنة الثابتة فيه ، فلا يسوغ مخالفته )) ، وضمن التتبع التاريخي لتحولات اجتماع الجمعة ذلك الحدث التاريخي في عام 280 للهجرة ، حيث كان يحرم إقامة اجتماعين للجمعة في البلد الواحد حتى كسر تلك القاعدة الخليفة العباسي المعتضد : ((ذكر الحافظ الخطيب في تاريخ بغداد: أن [[ أول جمعة أحدثت في الإسلام في بلد ]] ، مع قيام الجمعة القديمة، في أيام المعتضد في دار الخلافة. يعني بغداد، من غير بناء مسجد لإقامة الجمعة، وسبب ذلك، خشية الخلفاء على أنفسهم. وذلك في سنة ثمانين ومائتين، ثم بني في أيام المكتفي، مسجد فجمعوا فيه ، تعدد الجمعة بدعة بلا شك دعت إليها الحاجة )) ، فتلك البدعة سببها خوف الخليفة من أن يجتمع بالناس ، فأقام جمعته الخاصة ، ومن بعده انفرط عقد إقامة أكثر من جمعة في المدينة الواحدة ! . فتحول اجتماع الجمعة من مراكز محددة للتواصل فيما بين السلطة والناس إلى ردح سياسي من طرف السلطة فقط ، وفعل بني أمية فعلهم ، وأصبحت الخطبة لا تنتهي إلا قبيل غروب الشمس ! ، كما فعل بعض خلفاء بني أمية وكذلك الحجاج . 

9

وقت أسواق العرب هو الصباح الباكر، وهو الوقت المناسب للتجمع وإقامة اجتماع الجمعة، وهناك فقهاء اعتبروا وقت صلاة الجمعة هو وقت اجتماع العيد صباحاً ، مع ملاحظة أن الأعياد أسواق سنوية قديماً عند العرب – وكل الخطب قديماً أقيمت على هامش السوق الأسبوعي كالجمعة أو السنوي كالأعياد أو حتى خطبة عرفة على هامش سوق عرفة – ، لذلك لا تعارض إن أقيم اجتماع العيد بدل اجتماع الجمعة، فهم نفس الاجتماع فلا حاجة للقول صلاة العيد تبطل صلاة الجمعة.  بل حافظ اجتماع العيد على إقامته في الأماكن المفتوحة بينما أدخل اجتماع الجمعة المسجد مبكراً ، وكان هناك نقاش ينقله ابن تيمية في كون اجتماع العيد نافلة فهو اجتماع تطوعي وهذا ما نقوله أيضاً في اجتماع الجمعة ، وهناك رأي فقهي يعتبر العيد سنة مؤكدة ، وقال بعض الشافعية أن اجتماع الجمعة فرض كفاية ، والقول بالتطوع أو السنة المؤكدة أو فرض الكفاية هو قول يدخل ضمن تقعيدات الفقهاء لتجسير الهوة بين النص المقدس المتمثل في القرآن وما ينسب للنبي ﷺ من روايات وأفعال ، فهذه التقعيدات اختراعات فقهية عندما لم يجدوا ضالتهم في القرآن في كونها فرض . هذا التجمع الأسبوعي له العديد من الجوانب :

10

عبر التاريخ تم استغلال اجتماع الجمعة لتجنيد الشعوب في خدمة مصالح الآخرين، من منبر الجمعة الذي استخدم للتسويق إلى بني أمية ولعن علي بن أبي طالب ومراقبة المعارضة السياسية وتسجيلها الحضور أسبوعياً كناية عن الطاعة، إلى تحريض الجماهير للانضمام للجيوش في الامبراطورية الأموية والعباسية فالعثمانية، إلى تحريض الشباب للقتال في أفغانستان والشيشان والبوسنة، ثم دفع المزيد من أبناء البلدان إلى محرقة الربيع العربي والالتحاق بتنظيمات القاعدة وداعش، وتخدير الشعوب عبر القرون لتتنازل عن أهليتها وحقوقها وتزهد في طبيعتها العاشقة للحياة لصالح الكهنة والسلاطين، لقد كانت جرعة أسبوعية قادرة على مسخ أي شعب يتعرض لهذا الابتزاز الأسبوعي باسم الدين، لذلك يعيش الإنسان العربي اليوم الانفصام بين واقعه واحتياجاته ومتطلباته وبين الخطب الرنانة المزيفة للوعي والتي تتحدث عن أوهام وعصور ملائكية لم تخلق ولن تخلق أبداً ، وخطب ما هي إلا ملهاة وشراء لمزيد من الوقت للبقاء في التخلف والجهل والتجهيل. بينما كان من المفترض الانتقال بذلك التجمع البدائي على هامش السوق وقول خطبة إلى تطوير هذا التجمع واستثماره وفق معايير العصور المتلاحقة، ومراعاة هدف الاجتماع الأصلي، كانت ثقافة تلك المجتمعات واحتياجاتهم وفق أعدادهم ومتطلباتهم وتمت الاستفادة منه في الشأن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والإعلامي، والاستفادة منه اليوم بنقله إلى ما يتوافق مع العصر ومتطلبات المجتمعات ومع تطور وتحضر الإنسان وتطور آلياته، هنا نماذج من تطبيقات الاجتماع الاسبوعي المعاصر:

11

أنا مع الاستفادة من اجتماع الجمعة بشكله الحالي باعتباره إرث اجتماعي وليس فرض ديني ، بل مع استثماره كواقع ورمز يمكن استغلاله للشأن الاجتماعي ، فيصبح منبر توعية وتثقيف واعتباره شأن اجتماعي يختص بالمجتمعات ترى كيف تستفيد منه ، وكيف تصنع منه لقاء أسبوعي يقدم الفائدة للناس ، لتكن الخطبة محاضرة تثقيفية توعوية يقدما الطبيب أو المهندس أو المختص بعلم الاجتماع أو علم الفلك أو علم الاقتصاد أو علم السياسة أو المختصين بالتربية والتعليم ، ويتم اجتماع أهل الحي ويناقشوا أمورهم ويصلحوا من حال حيهم ويساعدوا فقيرهم ويكفلوا يتيمهم ويراعوا الأرامل والمطلقات والبيوت التي بلا عائل ويحسنوا إليهم . هذا الاجتماع هو شأن اجتماعي منذ أن اقترحه الأنصار ويجب أن يبقى كذلك ، ولا يبقى منبر يستغله الكاهن والسلطان لمصلحته . واجتماع العرب على هامش السوق وإلقاء الخطب قديماً قبل الإسلام واستثمار ذلك كحدث تاريخي ، هل يجب فرضه كدين على شتى الشعوب والثقافات ؟! هذه المقالة مجرد نبذة عن كتاب (( اجتماع (صلاة) الجمعة : حدث اجتماعي أم فريضة دينية ؟! )) يقع في 200 صفحة تقريباً يناقش كل مسألة وردت هنا بالتفصيل والتوثيق والمراجع ، والكثير مما لا تسمح المساحة بعرضه والتطرق إليه ، سوف يصدر قريباً .

 

أبو إلياس سويد الأحمدي

قارئ في الأديان ومهتم بمراجعة التراث الديني

 

الخميس، 8 سبتمبر 2016

كيف ابتعد المنهج القراني عن واقعنا

هل كان هناك من اكتفى بالقران كمصدر للتشريع على مر العصور؟ وما موقف الذين سماهم علي بالخوارج من الدين؟


للاجابة لابد ان نعرف كيف كانت  الأوضاع بعد عصر الرسول..
ففي وقت الرسول كان السائد هو الإسلام الحق بلا مذاهب ولا فرق، ولم يكن هناك مُشرّعٌ غير القرآن.
وبعد وفاة الرسول انشغل المسلمون القلة بالحروب (حروب ما سمي بالردة وحروب فارس والروم) ونتج عن هذه الحروب كسب أراض واسعة وملايين الناس تحت حكم دولة المدينة، وتزامن هذا مع تناقص أعداد المسلمين الأتقياء وتوارى الإسلام الحقيقي..
مما أوجد بيئة مناسبة لبذور الفرق والمذاهب أن تنمو، نتيجة لأن سكان المناطق المفتوحة كان لديهم معتقدات وأديان قامت عليها ثقافتهم وأعرافهم.. وهذه المعتقدات والأعراف كونت أسس أو بذور الفرق والمذاهب التي نشأت بعد ذلك.
فالتناقص الحاد في أعداد المسلمين الأتقياء القلة (الذين كانوا يمارسون ويُحكّمُون القرآن وحده في دينهم) وتأخر نسخ المصاحف إلى العام 33 للهجرة، أفسح المجال لظهور المعتقدات المختلفة عند المسلمين .. حيث كانت الفتوح قد وصلت إلى الصين شرقا وتونس غربا وبحر العرب جنوبا والأناضول شمالا، وسكان هذه البلدان كانوا يعتنقون معتقدات راسخة متنوعة احتفظ بها أو بعضها أصحابها الذين أعلنوا الدخول في الإسلام.
في تلك البيئة ومن تلك الثقافات ترعرعت الفرق والمعتقدات المتنوعة التي أصبحت فيما بعد مذاهب. ولم تنشأ المذاهب عن تحول من الإسلام الحق... بل هي معتقدات نشأت من خلفيات غير إسلامية لأهل البلاد المفتوحة (مسيحية يهودية وثنية مجوسية ... الخ) وصبغت بصبغة إسلامية..
ولما استقر الحكم لقريش ممثلا بمعاوية ابن ابي سفيان ومن جاء بعده، لم يكن يهم الحكام إعادة الناس للدين، الذي لن يكون فيه مصلحة لهم، بل سيزلزل عروشهم... لأنه لا حكم فردي في الإسلام ولا سلطة.. ولكن الدولة تدار بالقوانين (ألتشريعات) القرآنية لكل ما هو ديني، والتشريعات المدنية التي يشرعها الناس لأمور دنياهم بالشورى، وليس برأي الحاكم أو رجال الدين الرسميين.
فرأس الدولة مجرد إداري يدير الدولة بقوانين موجودة مسبقا ولا يملك حق التشريع. لذا فلم يحرك حكام قريش (أمويون وعباسيون) ساكناً ضد نشأة المعتقدات المختلفة، ولم يقودوا حملة للعودة بالناس لحكم الله (القرآن) لأنهم لم يؤمنوا به أصلا، ولأنه سيلغي تميزهم ويسلبهم صلاحياتهم التي أوجدوها في الحكم. وكل ما فعلوه هو استغلال اسم الدين للدنيا، واستخدام مسمى الدين وليس جوهره لخدمة سلطاتهم. بل إن العباسيين لم تنجح ثورتهم إلا برفع شعارات دينية، ولما استتب لهم الحكم كانوا أكثر تسلطاً من أسلافهم الأمويين.
وكل ما فعله الحكام هو تبني معتقدات تخدمهم وترسخ حكمهم، وتجرم كل منتقد لهم أو خارج عليهم، وقد وجدوا ضالتهم في المذاهب التي ظهرت على الساحة.
وفي مثل هذه الأجواء لم يكن من الممكن قبول ظهور أشخاص ينادون بالعودة لحكم الله، فتم حربهم بمسميات تبدوا في ظاهرها أنها مع الحق وفي باطنها تحاربه.
فعلي ابن أبي طالب قاتل جماعة (يقال عنهم إنهم حفظة للقرآن) لأنهم احتجوا عليه عندما اتفق مع معاوية على وقف الحرب واقتسام الحكم، لأن هذا في نظرهم طلب سلطة دنيوية ولا يعيد الناس لحكم الله. فما كان من علي إلا أن لاحقهم وأعمل فيهم السيف، وأطلق عليهم مسمى (الخوارج). وهو مسمى يوحي بأنهم خرجوا عن الدين، ويوحي بأن ما يقوم به علي هو الدين. والخوارج اصطلاح مماثل للإرهاب أو للفئة الضالة في عصرنا. وإن كان من سماهم علي بالخوارج كما قيل عنهم - من أنهم حفظة لكتاب الله وعاونوا عليا في حربه ضد معاوية سعيا لإعادة الناس إلى حكم الله - فإنهم لم يخرجوا على الدين وإن سماهم علياً بالخوارج، بل إن عليا هو من رضي بحكم دنيوي وخرج عما كان الوضع عليه زمن الرسول.
ولعل ما يقوي كون من سماهم علياً (الخوارج) أنهم مطالبين بالعودة لدين الله، هو أن الأمويين – أعداء علي – حاربوهم كما حاربهم عليا. واتفاق علي ومنافسوه (الأمويون) على حربهم يعني أن ما تعتقد تلك الفئة وما تطالب به، مخالف لما يريده عليٌ والأمويون. والأمويون لم يؤمنوا بالإسلام، فمعاوية وأبو سفيان والده لم يعلنا الإسلام إلا بعد أن استسلمت مكة. والله يؤكد في كتابه أن من لا يؤمن بالدعوة بداية سماعه بها لن يؤمن ابدا مهما دعي، ولو زعم بعد ذلك بأنه أسلم.
وطوال فترة بني أمية ظهر كثيرون يطالبون بالعودة لحكم الله ولكن أصواتهم أسكتت وقتل كثير منهم تحت مسمى الزندقة، وشوهت معتقداتهم واتهموا بأقذع تهم الكفر. وهناك حديث يتداوله الناس على أنه دليل على أن للإسلام أركان خمسة ولا يتوقفون عند مقدمة الحديث التي تهمنا، وهي:
حَدَّثنا أَبُو عَمَّارِ الْحُسَيْنُ بنُ حُرَيْثٍ الْخُزَاعِيُّ ، أخبرنا وَكِيعٌ عن كَهْمَسِ بنِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ ، عن يَحْيَى بنِ يَعْمُرَ ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي القَدَرِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ قالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيِريُّ حَتَّى أَتَيْنَا المَدِينَةَ، فَقُلْنَا لَوْ لَقِينَا رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النبيِّ فَسَأَلنَاهُ عَمَّا أَحْدَثَ هَؤلاَءِ القَوْمُ قال فَلَقِينَاهُ، يَعْنِي عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ المَسْجِدِ، قال فَاكْتَنَفَتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي قال فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الكَلاَمَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرحمنِ، إِنَّ قَوْماً يَقْرأُونَ القُرْآنَ وَيَتَقَفَّرُونَ العِلْمَ، وَيَزْعُمُونَ أَنْ لا قَدَرَ، وَأَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ قَالَ: فَإِذَا لَقَيْتَ أُولَئِكَ فَاخْبِرْهُمْ أَنِّي مِنْهُمْ بَرِيءٌ، وَأَنَّهُمْ مِنِّي بُرَآء. وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ الله لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً مَا قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ حَتَى يُؤمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِهِ.
وباقي الحديث عن الأشعث الأغبر الذي سأل الرسول وأجابه الرسول ولن نورده لأنه لا علاقة له بموضوعنا.
وما يهمنا هو قول راوي الحديث (يحيى ابن يعمر) أن معبد الجهني "تكلم بالقدر" أي نفى أن يكون هناك قضاء وقدر بمعناها السائد وقال إن الإنسان هو من يصنع مصيره بكل حرية، وهذا ما يقوله القرآن. وقد أنكر عليه قوله هذا وتم إيراد الحديث الذي يقول إن أركان الإسلام خمسة منها الإيمان بالقدر كرد عليه.
وهذا يشير إلى أن العودة للقرآن أصبحت تخالف ما كان عليه الناس وانتشر بينهم منذ ذلك العصر المتقدم (القرن الهجري الأول). ومعبد الجهني قال عنه أشهر رجال الجرح والتعديل أبو حاتم: "إنه صدوق في الحديث". ويقول عنه صاحب سير أعلام البلاء: "وكان مجتهدا في الدين ومعروفا بالأمانة والصدق"...
لكن كل هذا لم يشفع له، حيث شنت عليه حربٌ شعواء، لأنه قال بأن الإنسان مخير، ووصف بالضال. ويقول صاحب سير أعلام النبلاء إن الحجاج عذبه كثيرا وقد يكون قتله، أو أن عبد الملك ابن مروان صلبه عام (80 هـ).
لأن نفي القدر بمعناها السائد سيلغي فكرة أن قريشاً حكمت لأن الله قدر لها أن تحكم، وأنه ليس لهم حق بحكم الناس. كما ينفي حق من يسمون بأئمة الشيعة بالحكم. ولمثل هذا قام هشام ابن عبد الملك بصلب غيلان الدمشقي (106 هـ) لأنه ممن يقول بأن الإنسان مخير وهو يصنع أفعاله، وأن قريشا ليس لها حق إلهي في الحكم وأن الدولة يمكن أن يكون رأسها كل من يتوفر فيه شروط المنصب وهذا يخالف ما روج له بني أمية كما أنه يخالف معتقد الشيعة الذين يرون أن الحكم يكون في أئمتهم.
كما أن خالد ابن عبد الله القسري والي بني أمية على الكوفة ضحى بالجعد ابن درهم (105 هـ) في المسجد يوم عيد الأضحى لأنه ينفي التشبيه عن الله، ونفي التشبيه يتفق مع القرآن.
وكذلك الجهم ابن صفوان (128 هـ) الذي كان يقول بتنزيه الله ونفي التشبيه عنه سبحانه وأنه لا يمكن رؤيته لا في الدنيا ولا في الآخرة.
فأصبح الجهم ضال مضل بينما أصبح مقاتل ابن سليمان مفسراً مشهوراً للقرآن، لأن مقاتل – الذي عاصر الجهم - يقول بأن كل شيء مقدر وأن الحكم قدره الله لبني أمية.
وكل الدول المذهبية على مر تاريخ المسلمين كان حكامها يضطهدون كل من ينتقد معتقداتهم ويقتلونهم، تماماً كما فعل الحكام الذين اعتمدوا المذاهب السنية.
الخلاصة: أن إلصاق التهم بمن خالف سياسة الحاكم لا يعني أنها صحيحة، وكذلك كل ما قيل عن معتقداتهم. بل قد يكون الحاكم نفسه هو من يسير على الطريق الأعوج. لذا تمت محاربة كل من ينتقد أو يخالف سياسة الحكام والقضاء على حركاتهم وتشويه معتقداتهم تحت مسمى الخروج عن الدين، وهذا لا ينفي احتمال أن يكون أتباع أولئك الرجال قد ضلوا من بعدهم.
ولم يبق إلا المعتقدات التي يرضاها الحاكم القرشي، أو حكام آخرين معادين للحكم القرشي ويريدون أن يؤسسوا أو أنهم أسسوا حكما خاصا بهم مستغلين اسم الدين بتبني مذهبا مخالفا لمذهب حكومة قريش. وبكل تأكيد فلن يكون هذا المعتقد متفق مع القرآن، لأنه لو اتفق مع القرآن لما بقي الحاكم في الحكم ، سواء كان أموياً أو عباسياً أو فاطمياً أو إثناعشرياً أو إباضياً أو معتزلياً أو غيرهم.
وعليه فيمكن القول إنه لم يعد القرآن مصدر تشريع لوحده منذ تولت قريش حكم دولة المسلمين (الأمويون والعباسيون) وأصبح الحاكم مشرعا، ورجال الدين مشرعين.
ثم جاء الشافعي (المولود عام 150 والمتوفى عام 204 للهجرة) وهو أول من قال بأن الأحاديث تعتبر المصدر الثاني للتشريع ومع الأيام أصبح هناك عدة مصادر للتشريع منها: القياس والإجماع والعرف وسد الذرائع والمصلحة المرسلة وحكم الحاكم واجتهاد القاضي وغيرها. ويضاف لها عند الشيعة أقوال أئمتهم، وما يظنونه من العقل.
ورسخ هذا وبني عليه فقه يملأ المحيطات ولم يعد الناس يتصورون أن دين الله لا يقوم إلا على كلامه سبحانه لوحده لا شريك له.
ويكون الاحتكام لغير القرآن هو الدخيل والمستجد في الدين ولم يعرفه الرسول ولا أصحابه الثلاثة من بعده، ولكنه بدأ بالظهور مع بداية نشأة المعتقدات المختلفة التي تحولت لمذاهب في عصر الظلمات والفتن الذي تلى فترة الفتوح الأولى. وللأسف هو ما رسخ بيننا وأصبح ينظر له على أنه هو الدين الصحيح، والعودة للقرآن وحده هو الضلال.
****
ولابد أن أكمل وأقول: إن المذاهب والفرق تناحرت فيما بينها واتهم كل أتباع مذهب أتباع المذاهب الأخرى بالهرطقة والكفر. بل إن أتباع المذهب الواحد اختلفوا وتفرقوا إلى فرق، كل فرقة تتهم الأخرى بالخطأ. ودفنت مذاهب وفرق كثيرة مع اتباعها، ولم يبق إلا مذاهب قليلة، وبقاءها ليس لأنها على صواب ولكن لأن الحكام استخدموها كمطايا لحكمهم وتبنوها. وتبقى حقيقة أن المذاهب كلها تقوم على الأحاديث وتأويل القرآن لما يتناسب مع ما تعتقد، وهذا لا ينفي أن كل مذهب بقي لديه شيء من دين الله الحق، إلا أن هذه البقايا فسدت بخلطها مع الكثير مما ليس في كتاب الله.
والسلام
ابن قرناس

هل ندخل الجنة بعملنا ام برحمة الله

هناك أحاديث كثيرة متنوعة - بعضها على شكل قصص - تظهر أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله، ولكن الناس يدخلون الجنة برحمة الله سواء كانوا قد آمنوا وعملوا الصالحات وابتعدوا عن الكبائر، أو كانوا عصاة يستحقون النار.
وكل هذه الأحاديث لا قيمة لها، لأنه لا يمكن أن يكون الرسول قالها. وأن من اختلقها تخيل أن الله حاكم متسلط وليس خالق عادل. والفرق أن الحاكم المتسلط يدير شئون من تحته بمزاجه دون رقيب أو حسيب. أما الخالق فعدله مثالي مطلق. فهو خلق الكون وما فيه وسيره بقوانين ثابتة لا تخضع لعواطف ولا مزاج. وأودع فيه كل النعم الباطنة والظاهرة لمخلوقاته قبل أن يخلقهم: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ...(20) لقمان.
وهذه النعم لا حدود لها ولم يوفرها مقابل أن يطيعه الناس، ولكنه سبحانه وفرها رحمة منه وتفضل.
ثم خلقهم وعقد معهم ميثاقاً: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7) المائدة.
وهذا الميثاق يتضمن طاعة أوامر الله والانتهاء عن نواهيه مع الإيمان مقابل أن يحصلوا على الجنة: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) النساء.
فدخول الجنة سيكون مقابل تقيد الإنسان بالميثاق الذي وقعه مع الله، وجعل للإنسان كامل الاختيار الشخصي لتحديد مصيره بنفسه.
وبين سبحانه للمخلوقات ما يجب عليهم لدخول الجنة فمن اتبعه فله الجنة ومن خالفه فله النار ولن يتدخل سبحانه في تحديد مصيرهم مثلما أنه لم يتدخل في اختياراتهم. فرحمة الله سبقت خلق المخلوقات وكانت بلا مقابل. أما الجنة فدخولها مقابل الإيمان والعمل الصالح كما يقول تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (8) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) لقمان.
فالجزاء بجنة أو نار نتيجة للعمل الصادر من الإنسان بحريته وخياره: َ
الْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (54) يس.
أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{19} السجدة.
لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (127) الأنعام.
فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) السجدة.
أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (19) السجدة.
إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (14) الأحقاف.
إذا، الإنسان بعمله دخل الجنة وبعمله دخل النار:
فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) النازعات.
وهذا هو القانون الإلهي الثابت الذي لا يخضع للعواطف وتغير المزاج، إيمان وعمل صالح يساوي الجنة:
وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ{28} هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ{29} فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ{30} وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ{31} الجاثية.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) يونس.
وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{42} الزمر.
مثلما أن النار نتيجة لنقض العهد مع الله والكفر أو عدم القيام بالأعمال الصالحة:
وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20) السجدة.
وسيكون هناك حساب دقيق بناء على ما قام به الإنسان وعليه يتحدد مصيره لجنة أو نار:
وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47) الأنبياء.
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (57) الحج.
فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) المؤمنون.
ولن يكون هناك لقاء مع الله ولن يكون هناك توسلات ولن يدخل الله أحدا الجنة وهو ظالم لنفسه مقصر في واجباته أو كافر. كما أنه سبحانه لن يحرم أحدا من الجنة وهو مستحق لها:
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ{34} أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ{35} القلم.
ولو أدخل مستحق النار الجنة أو أدخل مستحق الجنة النار فهذا مناقض لعدل الله المثالي المطلق ولكانت تصرفات الخالق تخضع للعواطف وتقلب المزاج (تعالى الله وتبارك عن ذلك علوا كبيرا).
ولذا فلا يمكن أن يساوي الله بينهم: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ{28} ص.
أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ{21} الجاثية.
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ{40} فصلت.
فالإنسان بعمله وإيمانه سيدخل النار أو الجنة. أما رحمة الله فقد وسعت كل المخلوقات كافرهم ومؤمنهم في الدنيا بما وفره الله من نعم ظاهرة وباطنة ،،، ويوم القيامة لا مجال فيه لرحمة ولا استعطاف.
قد يقول جاهل: ولكن هناك آيات تقول إن الله يدخل من يشاء في رحمته ويعذب من يشاء.
ونقول نعم هناك آية تقول: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{40} المائدة.
وآيات كثيرة مماثلة.
إلا أن المشيئة في الآيات تعني أنه لولا مشيئة الله لما وجدت جنة ولا نار. ولولا مشيئة الله لما بعث الناس وحوسبوا ودخل بعضهم الجنة والنار .. فكل شيء لا يتم إلا بمشيئة الله، ولا شيء يجري جار مشيئته سبحانه. مثل قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) هود.
فلولا مشيئة الله لما كانوا خالدين فيها أبدا، ولا تعني أن أهل الجنة لن يخلدوا في الجنة وأهل النار لن يخلدوا في النار.
الخلاصة: أن كتب التراث عندما تقول: "لن يدخل أحد الجنة بعمله ولكن برحمة الله" فهي تثبط الناس وتخدرهم وتضلهم، وكأنها تقول: لا تتقيدوا بأوامر الدين ونواهيه، فمهما فعلتم لن تؤهلكم أعمالكم للجنة. وعليكم بالدعاء والتوسل لله فقد يستجيب لكم ويدخلكم الجنة بدون عمل.
أما القرآن فيقول: كل إنسان يملك تقرير مصيره بيده: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46) فصلت.
ولو دخلت النار فذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ.
والسلام

الاثنين، 5 سبتمبر 2016

الخمور

كشف المستور في حكم الأنبذة والخمور!!



رافقت الخمر الإنسان منذ الأزل ..
و صاحبته  في حله و ترحاله، 
و فرحه .. و ترحه ..
و معاركه .. و ليالي أنسه ..
و لعبت دوراً هاماً في حياة الإنسان منذ العصور الأولى لفجر التاريخ ، فلم يخلو تاريخ أمة إلا وذكر فيها شأن الخمر . فكان أول ذكر لها في ملحمة جلجامش ببلاد مابين النهرين عندما كسر الملك جلجامش مع إنكيدو الخبز وشرب معه الخمر(2750-2350 ق.م) .



كما اكتشف لوح طيني مسماري مفخور يعود إلى 2050 ق.م، يحوي وصفة لصناعة خمر الشعير (البيرة) في مدينة أور السومرية.
أما في حضارة المصريين القدماء فمناظر جمع العنب ودهسه بالأرجل أو عصره وتصنيع خمرة الشعير تشاهد وبكثافة على جدران مقابر عصور مصر المختلفة. 

لقد عرفت الخمر لدى مختلف الحضارات قبل الديانات "السماوية" بآلاف السنين ولكن في الديانتين اليهودية والنصرانية نجد تحريم السُكر فيما أجازت شرب الخمر . فقد جاء في التوراة والتلمود (تعاليم الأحبار) أن الخمر عند اليهود مباح و مجاز شرب القليل منه في المناسبات الاجتماعية ، وليست حراما أو محظور  مادامت تشرب باعتدال ودون إفراط ولكنها في المقابل حذرتا من السكر بالخمر الذي فيه الخلاعة. أما فقهاء الإسلام  فقد تطرفوا "كعادتهم"  في تحريم شرب الخمر بالكلية بل ونسبوا الى رسول الله أنه لعن ساقيها وبائعها وعاصرها وحاملها  وآكل ثمنها !!


لذا سنتاول في مقالنا هذا موضوع الخمر على جزئين ، الجزء الأول سنعرض قول الفقهاء بتحريم الخمر على كتاب الله  ثم سنتحدث في الجزء الثاني عن تاريخ الخمر وفوائد الطبية.

الجزء الأول: 
هل الخمر محرمة في كتاب الله ؟

قبل كل شيء ، يجب التفريق بين (التحريم) و(النهي) من ناحية.. و(الخمر) و(السُّكر) من ناحية أخرى . 
فالتحريم أمر خاص بالله وحده (من القرآن) ولا يشاركه فيه ذلك أحدا ، وحين يأتي أمر الله بالتحريم يأتي مباشرة  في القرآن بلفظ الكلمة أو مشتقات الجذر(ح ر م)، أما (النهي) فيشترك في تشريع المنهيات "واجتنابها" القرآن  والرسول والناس من خلال الهيئات التشريعية والمجالس البرلمانية .

بالتالي،  فالله يُحرم  و ينهى، أما الإنسان فهو ينهى فقط ولكن لا يحرم حلالاً أو يحلل حراماً. والفرق بين المحرمات  والمنهيات كبير جداً و واضح، حيث أن المحرمات "أزلية" و تسري على كل زمان ومكان ، فقتل النفس والسرقة و الكذب والغش التجاري وشهادة الزور وغيرها هي محرمات بنص كتاب الله و في كل التشريعات ولن تجد برلمان في الدنيا يجتمع على تحليل السرقة أو الغش التجاري أو الكذب مثلاً.
إن المحرمات محصورة في كتاب الله بأربعة عشر محرماً فقط ، ولا يحق لكائن من كان أن يزيد على تلك المحرمات الإلهية. لذلك أنزلت آية تعاتب رسول الله عندما حرم محرماً واحداً على نفسه!! (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ).  أما النهي، فهو ظرفي ومعلول بعله ويزول بزوال العلة وذلك وفقاً لما تمليه الحاجة الظرفية. وبالتالي فالنهي دون التحريم و يشرع لتقيد أمر حلال لوقت معين.
مثال: نقل البضائع حلال ولكنه يخضع للقيود الجمركية . وبالتالي تهريب البضائع من (المنهيات) يجب اجتنابها  وليست من المحرمات الإلهية . مثال آخر : الانتقال من البيت للعمل حلال ولكن ضمن قيود وضوابط السير وبالتالي  قطع الإشارة والسرعة في الطريق من المنهي.

نأتي لمفردتي (الخمر) و (السُّكر) في كتاب الله لنجد أنهما وردتا في خمس مواضع على النحو التالي :


الموضع الأول :
( وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَ رِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) (النحل الآية 67). هنا يصف المولى عز وجل ان الثمرات تتخذ لأمرين إما ( سكراً ) و إما (رزقاً حسناً)  وهذه الآية وصفية ولا يوجد بها أي نص تشريعي.

الموضع الثاني  :
عندما سُأل النبي عن الخمر (والأرجح أن ذلك كان بين السنة الثالثة والسنة الثامنة بعد الهجرة حسب الروايات -ان صحت-) نزلت الآية : " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا" (البقرة، الآية 219).
هنا يجب أن نستحضر الآية السابقة في الموضع الأول مع هذه الآية في الموضع الثاني لأنهما مرتبطتان مع الآيات الثلاث الأخريات التي سنأتي على ذكرها  (ترتيل*). فذكر الله في  الآية الأولى أن الخمر يتخذ لأمرين هما (سكراً) و (رزقاً حسناً)، وفي الآية الثانية ان الخمر  فيها (إثم كبير) و (منافع للناس) ولو قمنا بتلاوتهما سوية * ، لوجدنا أن (السُكر) هو الإثم الكبير و (الرزق الحسن) هو منافع للناس. و كلتا الآيتين لم تتضمن أي حكم تشريعي. 

* (هامش: الترتيل من الرتل،  و رتل الأيآت أي وضعها في رتل واحد حسب موضوعها Theme)
* (أما التلاوة : فهو الربط بشكل متتالي ولذلك يقال "تلى الشيء الشي" وقولنا "التالي ذكر" )

الموضع الثالث :
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ " (النساء – الآية 43)
هنا يأمرنا الله بعدم الإقتراب من الصلاة ونحن واقعون في الإثم الكبير (السُّكر). و السُّكر هي حالة الهذيان وغياب العقل أو ما يسمى بــ(الثُّمالَة ) التي تأتي بعد النشوة وتكون بسبب الإكثار من  شرب الخمر (لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ) ولذلك أعقب تعالى بقوله (حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ) لأنك عندما تتحدث بقول لا تعلمه فقد أصبحت في حالة غياب تام عن العقل وهذا ما حرمه الله في الموضع الخامس الذي سنأتي على ذكره *.
(*هامش: قد يرد البعض بأن الآية السابقة هي منسوخة و نحيله الى كتاب (لا ناسخ ولا منسوخ فى القرآن الكريم) للكاتب أحمد صبحى منصور ) (2).

الموضع الرابع:
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة – الآية 90)
هنا يلاحظ وبشكل صريح أن الله أمرنا  بإجتناب (الخمر) ولم يأتي بصيغة التحريم . و كما أسلفنا ، النهي ليس تحريماً أو كما يقال أن الإجتناب هو تحريم الاقتراب وبالتالي هو تغليظ فى التحريم ، فهذا كلام مردود جملة وتفصيلا ، ولو أراد الله تحريم أمرٍ لجاء بشكل صريح ومباشر كما قال في شأن كل المحرمات مثل (حرمت عليكم الميتة والدم) و(حرمت عليكم امهاتكم) و (أحل الله البيع وحرم الربا) !! أما الخمر فهو من المنهيات لذلك قال تعالى  في نهاية الآية التي تليها (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ)  
نخلص من الموضع الرابع ان الله أمر (بإجتناب) الخمر كفعل (منهي عنه) وليس محرماً ، ولكن لنرى ماذا قال الله في (السُّكر) الذي هو نتيجة  "غير حتمية" لشرب (الخمر) بالموضع الخامس

الموضع الخامس:
يقول تعالى (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)
في هذا الموضع الأخير يتجلى الأمر برمته ، حيث يحرم الله صراحة مجموعة من الأفعال (الفواحش والإثم والبغي والشرك بالله) وبما أن (السكر) هو (إثم كبير) نقول ان السكر هو محرم. ويبقى (الخمر) من المنهيات وليس من المحرمات و اجتناب النواهي  لا يرقى إلى مرتبة (لا تقربوا) في المحرمات .


لنقوم الان بتلاوة الأيات الخمس (التلاوة = الربط )
1-     (وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَ رِزْقًا حَسَنًا )
تتخذ الثمرات  تتخذ لأمرين إما ( سكراً ) أو (رزقاً حسناً) 
2-      (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ)
الخمر فيه (إثم كبير) وفيه (منافع) للناس. لذلك هو رجس أي مختلط (الرجس ليس النجس)
3-     (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ)
أمرنا بإجتناب الخمر حتى لا نقع في (إثم الخمر) وهو (السُكر) ..
4-     (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ)
السكر ( أو الثمالة لدرجة الهذيان) هو إثم كبير يدخل ضمن دائرة المحرمات التي حرمها الله 

أما القول بأن شرب الخمر يؤدي الى السُكر بالضرورة وبالتالي الخمر محرم ، نقول أن الغضب يولد سَكرة مماثلة ونتائجها كخطورة سَكرة الخمر وأكثر فهل الغضب حرام!!
إن الخمر لا يؤدي بالضرورة إلى السُكر (الهذيان) فليس كل شارب خمر سكران كما أن منافع الخمر كثيرة في الصحة وفي العلاج ولا يمكن بالتالي تحريمها بالمطلق ولكن يبقى رجسا أي مختلط بإثم وهذا ما يؤكده العلم  أن العقل لا يغيب بمجرد شرب الخمر أو بمجرد تعاطي الكحول مباشرة .. حيث يمر شارب الكحول بأربع مراحل للوعي:
١مرحلة الرصانة Sobriety 
٢مرحلة النشوة  Euphoria
٣مرحلة الإثارة  Excitement 
٤ثم تأتي مرحلة السكر أوConfusion أو مرحلة الهذيان (أن تقولوا ما لا تعلمون) لذلك قال تعالى (حتى تعلموا ما تقولون) (او غياب العقل كما ذكرتِ) وهنا لا تسمح لك كثير من القوانين باتخاذ القرارات أو ممارسة المهنة كالطب وغيرها أو حتى قيادة السيارة .


وهنا جدول يبين مراحل الوعي ومعدلات الشرب التقريبية حسب نسبة الكحول في الدم قبل الوصول لمرحلة السكر أو (المرحلة الرابعة - Confusion) وهي مرحلة الهذيان وغياب العقل وليس الوعي لأن غياب الوعي يكون في المرحلة السادسة ويسمى بالغيبوبة (Coma ) أو فقدان الوعي (Unconsciousness) .

لذلك علينا أن نجتنب الخمر قدر الإستطاعة لأنه منهي عنه ، فإن وقعنا في  شرب الخمر لا يجب أن نثمل فتذهب عقولنا ونقع في المحرم (السكر) فنقول ما لا نعلم. 

قد يرد في ذهن القارئ السؤال التالي  "إن كان السكر هو رجس الخمر، فما هو رجس الميسر والأنصاب والأزلام؟"
هنا نورد و بإجاز ما قاله محمد شحرور في كتابه -نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي- الفصل الثاني (3)
أولا: الوثنية : (الأنصاب و الأزلام / واجتنبوا الرجس من الأوثان / واجتنبوا الطاغوت)
ان رجس الأنصاب هو الذبح عليها ورجس الأزلام هو الاستقسام بها. ونلاحظ أن الذبح على الأنصاب والاستقسام بالأزلام قد حرّمها الله في آية محرمات الطعام {وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام} المائدة
وإجمالاً، الاوثان أو (الظاهرة  الوثنية) قديمة و مازالت لها أشكال معاصرة فمن وثنية الظواهر الطبيعة وعبادة المادة إلى عبادة الحجر والبقر والبشر سواء كانوا أمواتاً من "السلف الصالح" أو "الأولياء الصالحين" أو  الأحياء منهم كالأمراء والسلاطين والرؤساء . وبالتالي، مازالت الوثنية تعيش (بجانبنا) وفي حياتنا اليومية .
أما رجس الأوثان هو الاختلاط به كالأنظمة الطاغوتية وشركيات القبور  بالتالي لابد من "تجنبها" ولكن لا نبتعد عنها أو نعتزلها لذلك كان التوجيه الرباني بالاجتناب (مجانبة) كوننا نجانبها رغما عنا ولو حرمها لقال (لا تقربوا) ولأصبحت إشكالية في كيفية إعتزال المجتمع كما فعلت داعش وغيرها. 

ثانياً: قول الزور (واجتنبوا قول الزور)
(قول الزور) غير (شهادة)الزور وأكثر شيوعاً ، حيث نلاحظ قول الزور كظاهرة بين(جوانب)الناس في البيع والشراء و المعاملات ومخاطبة الحكام ومدحهم بالشعر وغير لذلك.  ولأنها شائعة، أمرنا بمجانبتها ولكن لا نبتعد عن المجتمع ونعتزله لأنه قال زوراً أو مدح حاكماً.

ثالثاً:  الميسر 
كما أن السُكر هو رجس الخمر كذلك القمار هو رجس الميسر، والسكر والقمار يسببان العداوة والبغضاء بين الناس. (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ)

(تنويه: يجب عدم الخلط بين الرجس والنجس والرجز، فالرجس هو الآمر المختلط والنجس هو الخبث او النجاسة المعنوية أما الرجز فهو العذاب والاثم )


نخلص للقول بأن من ادعى أن الاجتناب هو أكبر درجة من التحريم  فإنما هو بذلك يقوم بالمزاودة على الله، والجدير بالذكر هنا أن الإمام أبي حنيفة النعمان قد أباح شرب الخمر شريطة عدم ذهاب العقل (السكر).

إن  رأي السادة الأحناف معروف  في حكم الأشربة سواء ما نُبذ وصار نبيذا أو ما خمُر فصار خمراً، وأورد ذلك ابن رشد الحفيد في كتابه بداية المجتهد: (وأما الأنبذة فإنهم اختلفوا في القليل منها الذي لا يسكر، وأجمعوا على أن المسكر منها حرام )  وكذلك قال فقهاء الكوفة وأكثر علماء البصريين: إن المحرم من سائر الأنبذة المسكرة هو السكر نفسه لا العين في حين قال جمهور فقهاء الحجاز : قليل الأنبذة  وكثيرها المسكرة حرام (4). 

كما استند الأحناف وغيرهم الى احاديث كثير عن رسول الله في صحيح مسلم ومسند أحمد نورد منها الحديثين التاليين:
كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستسقى . فقال رجل : يا رسول الله ! ألا نسقيك النبيذ ؟ فقال ( بلى ) قال فخرج الرجل يسعى . فجاء بقدح فيه نبيذ . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ألا خمرته ولو تعرض عليه عودا ! ) قال فشرب .
الراوي: جابر بن عبدالله
خلاصة الدرجة: صحيح
المحدث: مسلم
المصدر: صحيح مسلم
الصفحة أو الرقم: 2011
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما أنه : كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : يا عبد الله أمعك ماء قال : معي نبيذ في إداوة فقال : اصبب علي فتوضأ قال : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا عبد الله بن مسعود شراب وطهور
الراوي: عبدالله بن عباس
خلاصة الدرجة: إسناده صحيح
المحدث: أحمد شاكر
المصدر: مسند أحمد
الصفحة أو الرقم: 5/295


الجزء الثاني : 
تاريخ الخمر وفوائده الصحية 

للنبيذ تاريخ طويل كشكل من أشكال الدواء وكبديل آمن لمياه الشرب، وكذلك كمطهر للجهاز الهضمي وعلاج الجروح  والمساعد على الهضم. ولقد كان للخمر دور طبي هام في مصر القديمة واستخدم كعلاج لأمراض الإعياء والإسهال ولتخفيف آلام الولادة كما تصف مخطوطات عدة.
لقد كان للنبيذ تاريخ طويل ومقترن بالطعام الذي يساعد في إدارة الوزن بتحفيز الدورة البابية في الكبد وسرعة الهضم . ويعتقد آرثر اغاتستون (Arthur Agatston) أن النبيذ ممكن أن يقدم منافع إيجابية في إدارة الوزن إذا تم استهلاكه مع الأكل.(5)
كما تشير دراسات علم الأوبئة الدنماركية إلى أن عددا من الفوائد الصحية النفسية والتعليمية (وكذلك نسبة الذكاء) ترتبط بشكل ايجابي مع شرب النبيذ حيث أظهرت النتائج أن الذين يشربون النبيذ بانتظام معدلاتٍ أعلى من نظرائهم الذين لا يشربون. (6)
فيما أشارت أبحاث متزايدة أن المستهلكون للنبيذ بشكل معتدل يحظون بمعدلات وفاة أقل من المستهلكين بغزارة أو الممتنعين إطلاقاً عن شربها. ومن وجهة نظر بحثية بدأ العلماء بالتفريق بين استهلاك الكحول لمختلف أنواع المشروبات (النبيذ والبيرة والمشروبات الروحية). فيما ذكر العلماء أن الفرنسيون يحظون بمعدلات أقل لأمراض القلب !! وأحد التفسيرات لهذا الأمر هي "المفارقة الفرنسية" وتعني الاستهلاك الدائم للنبيذ الأحمر مع الوجبات اليومية. كما أُثبت علميا أن النبيذ كواحد من أقوى مضادات الأكسدة يمنع تلف الخلايا وتحولها إلى خلايا سرطانية و يعيد التوازن الى أجهزة جسم الإنسان.
إن جميع الآثار الصحية السلبية التي ارتبطت بالمشروبات الكحولية وخصوصاً تليف الكبد كانت نتيجة الاستهلاك الزائد والمفرط . وإجمالاً فإن زيادة استهلاك العناصر الغذائية كالفيتامينات والمعادن بلا استثناء تسبب اعتلالات صحية خطيرة على الانسان. فما هو الاستهلاك المعتدل للنبيذ؟
تقوم أغلب الأبحاث في الفوائد الصحية الإيجابية لاستهلاك النبيذ بالتمييز بين الاستهلاك المعتدل والمفرط.
فالاستهلاك المعتدل والصحي يختلف من شخص لآخر حسب العمر والجنس وعوامل الوراثة والوزن وقامة الجسم وغيرها . ولكن أوصت دراسات وأبحاث القلب ان الاستهلاك المعتدل هو كوب واحد 8 أونصات (250 مللتر) كل يوم للنساء وكوبين يوميا (500 مللتر) للرجال .(5)





ختاماً..
إن شرب الخمر عادة اجتماعية منذ الأزل وخيار فردي لا يحكمه أحد فهناك من الشخصيات المشهورة  مثل امية بن ابي الصلت وورقة بن نوفل وعثمان بن عفان وغيرهم  من لم يشرب الخمر حتى قبل الإسلام .
كما أن الخمر لم يحتل أهمية و أولوية في الدعوة "الإسلامية" فقد أرسل محمد صلى الله عليه وسلم الى قومه ثلاث عشرة سنة قبل الهجرة و كان المسلمون يشربونها كالمشركين وظل من اعتاد عليها قبل الاسلام يشربها  ويتاجر بها ويأخذها في غزواته ومعاركه.  كما ان القرآن فى البداية قد مدح الخمر واعتبرها رزقا حسنا ، كما استمر ذلك الوضع بلا نهي أو توجيه بالإجتناب حتى السنة الخامسة أو الثالثة  بعد الهجرة على أقل تقدير  (7) وبالتالي لنا أن نتخيل حقيقة أن الرسول كان يجلس مع صحابته خمسة عشر سنة  (على الأقل) ومنهم من كان يشرب الخمر. كما حدث وشرب جماعة من الصحابة عند عبد الرحمن بن عوف  حتى ادركتهم الصلاة فأمهم احد الصحابة فقرأ "قل يا ايها الكافرون لا اعبد ما تعبدون" فحذف "لا"، فنهاهم القرآن عن الصلاة في حال السكر "يا ايها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون" (ان صحت الرواية) . فاستمر الشاربون على شربهم ولكنهم تجنبوا الصلاة عندما يكونوا سكارى. 

كذلك أستمر بعض الصحابة في شرب الخمر وقصة عبدالرحمن بن عمر بن الخطاب (أبا شحمة) مشهورة ، وكذلك محمد بن ابي بكر الصديق ومحمد بن ابي حذيفة. وفى عصر عثمان بن عفان كان أخوه  لأمه الوليد بن عقبة يشرب الخمر, وكان والياً في عهد أخيه على الكوفة، فصلى بالناس وهو سكران، فزاد في الصلاة، ثم قال لهم ان شئتم زدتكم. أما فى عصر الخلافة الأموية والعباسية فحدث ولا حرج. (8)

ونقول أن المسألة ليست بذلك الإحتقان المبالغ فيه  والذي يصفه لنا المتشددون من أهل التراث سواءً من سنة أو شيعة في حق كل من شرب الخمر وكأن من شربها قد أصابته لعائن الدنيا والأخرة!!   ولكن الذين نسبوا الى رسول الله أنه لعن شارب الخمر وساقيها وبائعها وعاصرها وحاملها  وآكل ثمنها !! ونسبوا إليه أن من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا  وإنه إن مات دخل النار!!  وأن من شرب الخمر ثم تاب ثم عاد إليها ثم رجع وتاب مرة أخرى لا تقبل توبته و يسقى من نهر الخبال. أي صديد أهل النار. كله من ذكر تلك الأحاديث ورهب بها قد تجاهل حديث البخاري في الحدود (6775) ، أن  نعيمان - أو بابن نعيمان – (صحابي) أتى للنبي  وهو "سكران" ، فأمر من في البيت أن يضربوه فضربوه بالجريد والنعال.  فقط لا غير!!

إن هذه السادية  و السوداوية في خطاب الكهنة يتنافى مع  رحمة الله  ويتعارض مع كتابه الكريم الذي لم يشرع  أصلاً عقوبة دنيوية لمن ارتكب الإثم الكبير (السكر) !! فلا يوجد أيةً واحدة في القرآن الكريم تنص على جلد كل من سكر ولو بجلدة واحدة كما ذكر في حق  من ارتكب الزنى مثلاً !! ولكن الحقيقة أن الذهنية التي إحتكرت التشريع الإلهي وقدمت "التراث الإسلامي" على أنه "سنة"  مكملة للقرآن الناقص ووضعت رهباناً وأرباباً أصبحت ترى في نفسها الوكيل الشرعي لله على الناس وترى ما لا يراه الله وذلك على مبدأ "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" لتضع أحكاماً انتقائية  مفتراة على الله ومحرفة لدينه ومشوهة لسماحة  الدين ويسره.

لويس غرم الله









المراجع /
1. القرآن الكريم
2 . (لا ناسخ ولا منسوخ فى القرآن الكريم). أحمد صبحي منصور، دار المثقفون العرب، القاهرة
3 . (نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي)، للدكتور محمد شحرور ، دار الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، 2000، دمشق
4. (بداية المجتهد ونهاية المقتصد في الفقه ) ، لابن رشد الحفيد، دار ابن الحزم 
5. Agatston, A. The South Beach diet: the delicious, doctor-designed, foolproof plan for fast and healthy weight loss. Macmillan.(2005)
7. (مقدمة في التاريخ الاخر : نحو قراءة جديدة للرواية الاسلامية ) للدكتور سليمان بشير ، 2012، منشورات الجمل ، بغداد
8. ( الخمر والنبيذ في الاسلام )- للباحث علي المقري ، رياض الريس للكتب والنشر –بيروت – لبنان.