الثلاثاء، 31 مايو 2016

الفقير والمسكين


 

1ـ ( الفقير)هو المحتاج وعكسه(الغني) أي المستغني . والفقير المحتاج درجات فهناك الفقير المحتاج للضروريات التي لاغني عنها لاستمرار حياته وهناك الفقير المحتاج لبعض الكماليات الهامة .  وضرورات الحياة تبدأ بالطعام والملابس والمسكن أو المأوي علي الترتيب ، والفقير المحتاج للطعام أو يجد مشكلة في الحصول عليه هو المسكين .. ولذلك نفهم ارتباط لفظ المسكين بالحاجة للطعام ونعرف اقتران المسكنة بالذل والمهانة " وضربت عليهم الذلة والمسكنة  :2/61" لأن المحتاج إلي طعام يقوم به جسده لا يمكن أن يشعر بكرامته أمام ذلك الذي يملك منع الطعام عنه.

2 ـ وإذا كان يمكن للإنسان أن يدبر مؤقتا أمر ملابسه ويستر عورته بأي شيء ، وإذا كان بإمكانه أن يبيت هنا أو هناك فإن الأمر يختلف بالنسبة للطعام ، فهو يحتاج لأن يملأ معدته أكثر من مرة في اليوم ،ولذلك فإن حاجة المسكين للطعام تتكرر كل يوم ولابد من إشباعها  . وهكذا يرتبط لفظ المسكين في القرآن  الكريم بالدعوة إلي إطعامه الطعام وتوفيره له .فيجعل رب العزة من صفات الأبرار " ويطعمون الطعام علي حبه مسكينا ويتيما وأسيرا.. 76/ 8"

  ويجعل رب العزة الجنة من نصيب أولئك الذين يطعمون المسكين في أوقات الأزمات حيث يكون المساكين أكثر الناس جوعا " أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة 90/14/16 . وفي المقابل فإن أصحاب النار سيقولون وهم فيها يندمون ويتذكرون أعمالهم السيئة " ما سلككم في سقر؟ قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين. 74/42/44" ويجعل القرآن الكريم من علامات الكفر  عدم الحض علي طعام المسكين " أرأيت الذي يكذب بالدين ؟ فذلك الذي يدع اليتيم، ولا يحض علي طعام المسكين "

    3ـ وتأتي تشريعات القرآن لتجعل من بنود الفدية والكفارات إطعام المسكين.. فعلي الذي يفطر في رمضان بسبب عجزه  عن الصوم أن يقدم فدية طعام مسكين وإذا تطوع بأكثر من ذلك كان خيرا له " وعلي الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خيرا له 2:/184 . وإذا حنث في اليمين فعليه إطعام عشرة مساكين من نفس ما يطعم به أهله أو أن يكسوهم : " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الإيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم :5/89 . وإذا قتل الصيد عمدا في الإحرام وهو بمكة كان عليه أن يطعم المساكين بقيمة الحيوان المقتول " يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين : 5/95.. " وإذا ظاهر من زوجته أي حرمها علي نفسه كتحريم أمه عليه كان عليه ـ ليلغي ذلك اليمين  ـ إن لم يجد رقبة يعتقها  أن يصوم شهرين متتابعين فإن لم يستطع فليطعم ستين مسكينا " فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا: 58/4"..

     4ـ وللمسكين حقوق مالية بجانب حقه في الطعام .. له حق في الصدقة التطوعية الفردية

" فآت ذا القربي حقه والمسكين وابن السبيل : 30/38 " وله حق في الزكاة والصدقات التي تجمعها الدولة " إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها.. 9/60 " وله حق في الغنائم الحربية " واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن  لله خمسه وللرسول ولذي القربي واليتامى والمساكين وابن السبيل 8/41". وللمسكين حقه في الفيء أو ما يفيء  أو يدخل إلي خزينة الدولة " ما أفاء الله علي رسوله من أهل القري فلله وللرسول ولذي القربي واليتامى والمساكين وابن السبيل :59/7" وإذا حضر المسكين توزيع الميراث كان له حق فيه يتطوع به الورثة ابتغاء مرضاة الله " وإذا حضر القسمة أولي القربي واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا .."

     هذا هو أدب القرآن مع المسكين .. وللتأكيد : نتذكر الآتى :

 الفقير هو المحتاج والاحتياجات تتدرج من الحاجة للطعام اليومي إلى الحاجة إلى اللباس ثم إلى المسكن والزواج .. ويحتاج الإنسان إلى زى جديد كل شهور ولكنه يحتاج إلى الطعام أكثر من مرة فى اليوم ، وحين يصير احتياجه للمطلب الأول أو الطعام مشكلة تحول ذلك الفقير إلى مسكين ... لذلك يرتبط المسكين فى القرآن الكريم بالذلة ، فالذي لا يجد قوته يكون ذليلا كما يرتبط المسكين أيضا بالدعوة القرآنية لإطعامه لدفع شبح الجوع عنه .وعن ارتباط الذل بالمسكنة ـ وهو مشتق من المسكين ـ يقول تعالى عن اليهود : " وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغض من الله " البقرة 61 .. أما عن ارتباط المسكين بالدعوة لإطعامه وإشباعه فقد جاءت آيات كريمة كثيرة كقوله تعالى " ولا يحض على طعام المسكين " " الحاقة 34 " " ولم نك نطعم المسكين " " المدثر 44 " " ولا تحاضون على طعام المسكين " " الفجر 18 " ومعناه أن المجتمع الذي يترك بعض أبناءه يتضورون جوعا أنما مصيره إلى غضب من الله تعالى وعذاب فى الآخرة ولو أقام ذلك المجتمع الزكاة وأطاع الله تعالى لما وجد فيه جائع محروم .

وقد جعل الله تعالى حقوقا متنوعة للمسكين . فله حقه فى الصدقة التطوعية شأن القريب " وآتى ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل " " الإسراء 26 " وذلك الحق المالي يكون أيضا حقا عينيا حسب الحالة " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا " " الإنسان 8 " وقوله تعالى " على حبه " أى يكون الطعام من أحب الأشياء إلى نفس المتصدق وليس مما يفيض عن حاجته أو مما لا يحبه .وللمسكين حق فى الزكاة الرسمية التى تجمعها الدولة " إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها " التوبة 60 " وله حق فى الغنائم " وأعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين " .. " الأنفال 41 " . وللمسكين حقه فى الميراث قبل توزيعه " وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا " " النساء 8 " . وله حق فيما يفيء إلى بيت المال أو الفيء " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم " " الحشر 7 " .  

الخبيثات للخبيثون .. والطيبات للطيبون... وامرأة فرعون ونوح


1 ــ أزعجنى ما قرأته فى الفيس من هجوم شخص ملحد على القرآن باسلوب هابط يتهم رب العزة جل وعلا بالتناقض ، واستشهد بقوله جل وعلا : (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26) النور ) وقال إنها تتناقض مع قوله جل وعلا : ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ (12) التحريم ).

2 ــ هو يفهم خطأ أن آية سورة النور تتحدث عن الزواج ، وأن الخبيثين من الرجال يتزوجون من الخبيثات من النساء ، وأن الطيبين من الرجال يتزوجون الطيبات من النساء . وهذا فهم عقيم للآية ، وسبق أن وقع فى نفس الخطأ بعض المفسراتية دون أن يعرف تناقض هذا الفهم مع قصص القرآن الكريم فى الاشارة الى زوجة لوط وزوجة نوح . قمت بالرد بإختصار وفق المساحة المتاحة ، وشعرت بالتقصير فقررت كتابة هذا المقال ، راجيا التوفيق من رب العزة جل وعلا :

أولا : فى السياق المحلى للآية :

آية الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ) تتحدث عن (اعمال ) وليس عن الأزواج .:

1 ـ  البخارى يزعم انه أن آيات سورة النور عن حديث الإفك لا شأن لها بالسيدة عائشة بل بجماعة المؤمنين والمؤمنات والمنافقين والمنافقات من سكان المدينة ، حيث نقرأ الآيات فى سورة ( النور ) وهى من أوائل ما نزل فى المدينة ، وتتحدث عن بداية إستقرار المهاجرين والمهاجرات فى المدينة ، وأن هناك من الأنصار من كان كريما معهم يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، وان هناك من اهل المدينة منافقين ، إستغلوا العلاقات البريئة فى مساعدة الأنصار للمهاجرين بنشر إشاعات عن علاقة محرمة بين هذا الأنصارى وهذه المهاجرة ، وذلك المهاجر وتلك الأنصارية . ونزلت الآيات ، وفيها يقول جل وعلا عن عصابة نشر الإفك : إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)).  ولأنه أمر عام يخص المؤمنين والمؤمنات فقد قال جل وعلا يلومهم (  لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12)) ،  ثم قال جل وعلا عن مروجى الاشاعات السّامّة : ( لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ (13)) ، ثم يهدد جل وعلا المؤمنين ويعظهم :( وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18)). ثم يعطى رب العزة جل وعلا حكما بأن من يحبون إشاعة الفاحشة بين المؤمنين ينتظرهم عذاب أليم فى الدنيا والآخرة  ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (19) ) وتتوالى الآيات فى الوعظ ، الى أن يقول جل وعلا عن الأعمال السيئة لمروجى الاشاعات الظالمة الكاذبة التى تطعن شرف المحصنات العفيفات :  ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّهُ دِينَهُمْ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25)) أى هم ملعونون ينتظرهم عذاب أليم فى الآخرة ، ثم يقول جل وعلا عن أعمالهم الخبيثة التى تلائمهم : ( الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ) وفى المقابل فالأعمال الطيبة تصدر من الطيبين ( وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ) وأولئك الطيبون أبرياء من تلك الاتهامات الظالمة ، ولهم مغفرة يوم القيامة وأجر عظيم :( أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26) النور )

2 ـ إذن هى إتهامات ظالمة أشاعها عصبة من المنافقين والمنافقات ، وتداولها المؤمنون والمؤمنات مصدقين لها دون تمحيص . وهذه الاتهامات الظالمة هى أعمال خبيثة لا تصدر إلا من الخبيثين والخبيثات ، ولا يصح للمؤمنين والمؤمنات أن تصدر عنهم هذه الخبائث ، بل أن يكونوا من الطيبين والطيبات الذين تصدر عنهم الأعمال الطيبة .

3 ـ السياق المحلى فى سورة النور فى قوله جل وعلا : (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ) يؤكد هذا ، فالآية جاءت تعقيبا وتذييلا لحادث الإفك الذى اشاعه عصبة من المنافقين والمنافقات وتداوله المؤمنون والمؤمنات فاستحقوا اللوم والتهديد . ثم بعدها يأتى تشريع للمؤمنين بالاستئذان وغض البصر للمؤمنين والمؤمنات .

ثانيا : فى السياق العام فى القرآن الكريم :

 آية الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ) تتحدث عن (اعمال ) وليس عن الأزواج ،  والسياق العام لهذا الموضوع يقطع بأنه لا علاقة لقوله جل وعلا : (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ) بالزواج .

1 ـ وصف الخبيث والطيب هو للعمل وليس للشخص . هذا هو أساس فى التشريع القرآنى ، فالانسان يرتكب الخبيث ويمكن أن يتوب توبة صالحة فيعمل الطيبات التى تغطى على أعماله الخبيثة ، فيبدل الله جل وعلا سيئاته حسنات : (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (69) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70) الشعراء )  . وإذا مات على عمله الخبيث تحول عمله الى عذاب له يوم القيامة .

2 ـ ومن هنا فالانسان مجبول على حريته فى الطاعة أو المعصية ، وهى مشيئته وتلك أيضا مسئوليته ، ولهذا شاءت إمرأة نوح أن تخون زوجها ، وكذلك زوجة لوط ، بينما إختارت زوجة فرعون أن تؤمن .

3 ـ القول السخيف بأن الزوج الخبيث للزوجة الخبيثة والزوج الطيب للزوجة الطيبة يتناقض مع الحياة الواقعية ، ويتناقض أيضا مع تشريعات الاسلام فى الطلاق . فالطلاق والانفصال والشقاق بين الزوجين يعنى تفاوتا بينهما فى الاخلاق ، وأن أحدهما يرتكب الخبيث من الأعمال ويظلم الطرف الآخر الذى يعمل الصالحات الطيبات  .

4 ــ يكفى قوله جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) التغابن ). ( الذين آمنوا ) رجالا ونساءا ، ( من أزواجكم ) ، اى رجالا ونساءا . أى يعيش ( زوج ) مع ( زوجة ) وهى عدو له ، وتعيش ( زوجة ) مع ( زوج ) لها وهو عدو لها . أى هناك عمل خبيث من واحد منهما ، والله جل وعلا يجعل العلاج بالعمل الطيب ، وهو العفو والصفح مع الحذر .

أخيرا :

يقول جل وعلا : ( إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40)   فصلت )، أى ومن الممكن لأى كافر بالقرآن أن يطعن فيه كما يشاء ، والله جل وعلا أعلم بمن يلحد فى آياته وهم أحرار فيما يعملون وسيتحملون نتيجة عملهم . ويبقى القرآن الكريم محفوظا لا عوج فيه ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، لا ينال منه تلاعب أئمة السنيين والشيعة والصوفيين ، ولا يؤثر فيه طعن الملحدين الكارهين لرب العالمين ، يقول جل وعلا  : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) فصلت  ).


الأحد، 29 مايو 2016

لماذا احرق عمر ماكتبه اهل الحديث

لماذا احرق عمر بن الخطاب الرقاع التي كتبت بها الاحاديث 

يقول زيد بن ثابت: كنتُ أكتب الوحي عند رسول الله r وهو يملي عليَّ، فإذا فرغت، قال: «اقرأه»، فأقرأُه، فإن كان فيه سقط أقامه([4]).
وخوفاً من تداخل المكتوب من القرآن مع غيره من كلام النبي r أمرالنبي صلي الله عليه وسلم أن: «لا تكتبوا عني ، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه»([5]).من هنا احرق سيدنا عمر الرقاع المكتوب فيها الاحاديث عن الرسول .
وبعد وفاة النبي r بدأت حروب المرتدين، وكان أشدها معركة اليمامة التي قتل فيها قرابة الألف من أصحاب النبي r، وكثير منهم من القراء وحفظة القرآن، فاقترح عمر بن الخطاب على الخليفة أبي بكر الصديق جمع القرآن في مصحف واحد، خشية ضياعه بوفاة المزيد من القراء، ووافق الخليفة على المقترح بعد طول تردد، وانتدب لجنة للقيام بذلك العمل العظيم برئاسة كاتب الوحي وحافظه الشاب زيد بن ثابت t ، وإشراف عمر بن الخطاب t.
يقول زيد: فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم ﴾ (التوبة: 128) إلى آخرهما.


وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر ([7]).
أبو هريرة : أخرج الصحيحان عنه أحاديث كثيرة وهائلة ، وقد ضبط الجهابذة من الحفاظ أحاديثه فكانت خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين ( 5374 ) مسندا ، وله في البخاري فقط أربعمائة وستة وأربعين ( 446 ) حديثاً 
هو ينحدر من أصل يماني ، هاجر إلى المدينة بعد فتح خيبر - السنة السابعة من الهجرة - فأظهر إسلامه بها ، وقد صرح هو بنفسه أن مصاحبته للنبي ( صلى الله عليه وآله ) لم تتجاوز ثلاث سنوات ( 1 ) .
إذا كان الخلفاء الراشدين (رض) كانوا من السابقين للإسلام وعاشوا مع النبي (ص) طيلة سنين الدعوة حتى توفي أي 23 سنة ..

فأبوبكرالصديق حسب ما تقولون أول من أسلم من الرجال 
فيكون بذلك قد صاحب النبي (ص) 23 سنة
وعمرالفاروق أسلم في السنة السادسة للبعثة فيكون مجموع سنوات صحبته للنبي (ص) 17 سنة

أما عثمان ذي النورين فقد أسلم حسب ما تقولون في السنة الثالثة للبعثة .. إذاً صاحب النبي(ص) 20 سنة 

أما الإمام علي (ع) فأنتم تقولون أنه أول من أسلم الصبيان .. وبغض النظر عن كونه ترعرع وتربى في بيت النبي(ص) فيكون قد صاحب النبي(ص) 23 سنة على أقل تقدير


وأبو هريرة هو بنفسه يعترف أنه عاش مع النبي(ص) 3 سنوات فقط .

فنأتي للمعادلة الرياضية ..
أولاً نجمع سنوات صحبة الخلفاء الأربعة للنبي (ص) 
23+17+20+23= 83 سنة
وأبو هريره وحده صاحب النبي(ص) = 3 سنوات



ومجموع ما رواه من أحاديث عن النبي الأكرم (ص) هو (5374) 


وأما مجموع ما رواه الخلفاء الأربعة من أحاديث نبوية فهو 
(1411


هل من حل لهذه المعادلة الرياضية الصعبة ؟؟
عن أبي هريرة نفسه قال : " حفظت عن رسول الله ( ص ) وعاءين ، فأما أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم "
صحيح البخاري ج 1 ص 89 كتاب العلم باب حفظ العلم

فإذا ما وصلنا عن أبي هريرة من الأحاديث هو النصف فقط 
لأن النصف الآخر لم يبثه بين الناس حسب قوله 

المعادلة كالتالي ..
5374×2= 10748حديثاً في جعبة أبا هريرة

(( حدث العاقل بما لا يعقل فإن صدقك فليس بعاقل ))


وابو هريرة الذي روى (5374) حديث،  هو نفسه الذي هدده عمر بن الخطاب  إن عاد لرواية الحديث قائلاً له: " والله لتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض دوس (موطن أبو هريرة)". وبعد اغتيال عمر استقطبه الداهية معاوية بن أبي سفيان واسكنه قصره في دمشق والمقابل أحاديث حسب الطلب تدعم سياسات معاوية في حروبه ضد خصومة وخاصة علي بن أبي طالب. غير أن الأكثر غرابة أن يروي عبد الله بن عباس (1660) حديثاً سمعها من فم النبي بلا وسيط، مع العلم أن ابن عباس كان في العاشرة عندما توفي النبي! 

وهذه بعض الروايات التي تؤكد شكوكنا 

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:«كنا قعودا نكتب ما نسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - فخرج علينا، فقال: ما هذا تكتبون؟ فقلنا: ما نسمع منك، فقال: أكتاب مع كتاب الله؟ فقلنا: ما نسمع، فقال: اكتبوا كتاب الله، امحضوا كتاب الله، أكتاب غير كتاب الله، امحضوا كتاب الله أو خلصوه، قال: فجمعنا ما كتبنا في صعيد واحد ثم أحرقناه بالنار».
· وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أيضا قال: «بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ناسا قد كتبوا أحاديثه، فصعد المنبر، وقال: ما هذه الكتب التي بلغني أنكم قد كتبتم؟ إنما أنا بشر، فمن كان عنده شيء منها فليأت بها. يقول أبو هريرة: فجمعناها فأخرجت».
· عن عائشة رضي الله عنها قالت: «جمع أبي الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانت خمسمائة حديث، فبات ليلته يتقلب كثيرا؛ فغمني، فقلت: أتتقلب بشكوى أم لشيء بلغك؟ فلما أصبح قال: أي بنية، هلمي الأحاديث التي عندك فجئته بها، فدعا بنار فأحرقها، فقلت: لم أحرقتها؟ قال: خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت فيه، ولم يكن كما حدثني فأكون قد نقلت ذلك».
· عن القاسم بن محمد أن عمر بن الخطاب بلغه أنه قد ظهر في أيدي الناس كتب، فاستنكرها وكرهها، وقال: «أيها الناس، إنه قد بلغني أنه قد ظهرت في أيديكم كتب، فأحبها إلي أعدلها وأقومها، فلا يبقين أحد عنده كتابا إلا أتاني به، فأرى فيه رأيي. قال: فظنوا أنه يريد أن ينظر فيها، ويقومها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم، فأحرقها بالنار، ثم قال: مثناة كمثناة أهل الكتاب».