الأربعاء، 12 أكتوبر 2016

الإختلاط بين العقل والنقل


إن معظم الناس اليوم  _ وبسبب عدم اطلاعهم وافتقارهم للمعرفة_ يظنون الاختلاطَ مسألة خلافية! وهذا غير صحيح بالمطلق ،فأن المذاهب الأربعة تجيزه وتقرٌه بالفتاوى الموثقة_ كما سنثبت ذلك.
أما التحريم فما هو إلا قول شاذ والرأي الشَّاذّ لا يعتد به ولا يعتبر خلافاً.
وحتى الذين قالوا بتحريم الاختلاط فأنهم يقصدون به الامتزاج أي إلتصاق اللحم باللحم ، وهذا لا يقول أحد بإباحته ، لكن بعض الدعاة سامحهم الله _ تقصدوا عمداً _ تحريف المعنى لتسخير النص لخدمة آرائهم.

قلت: العبرة بالدليل والبرهان وإن افتانا الناس وافتونا.

الاختلاط فِطرت الله التي فطر الناس عليها
ولا يفلح قومٌ ناهضوا فطرتهم ، إن إلتقاء الجنسين ضرورة حياتية مُلحّة وعنصر أساسي لأنسنة المجتمع _إلتقاؤهم في الأمكنة العامة وليس الخلوة أعني.

إن الله خلق الدنيا للذكر والأنثى ، لا تستقيم حياة أحدهم إلا بوجود الآخر معه ، كما أراد لنا الله وكما يجب أن نكون وكما كنا قبل ذلك.

من قرأ صفحات من التاريخ سيجد أن الاختلاط موجود منذ بُعث محمد عليه الصلاة والسلام إلى ظهور ما يسمى “بالصحوة” فجعلوها دنيا للذكر ودنيا للأنثى ، فبَحَثَ كِلَا الجنسين عن الآخر، وانشغلوا عن اللحاقِ بركب الحضارة.
يقول بعض الدعاة: كلامك صحيح حول وجود الاختلاط سابقاً ، لكن الناس الآن تعاني من جوع عاطفي رهيب فإذا أبحنا الاختلاط حدث مالا يُحمد عقباه،
العجيب أنهم هم الذين أوجدوا هذا الجوع حين عزلوا الجنسين أول مرة.
أي أنهم خلقوا المشكلة ثم جعلوها علّة للتحريم!
أقول لهم إطمأنوا فبمرور أسبوع على الاختلاط سيعتاد الناس ذلك ، أسألوا المبتعثين

إن أجدادنا كانوا مختلطين ، ولا يفكر الرجل في الأنثى كأنثى إلا حين يرغبها شريكة حياته ، أما اليوم فبعض من الجنسين يبحث عن الجنس الآخر لأنه جنس آخر ، وإن لم يجد ارتد على أبناء جنسه!

( بالشواذ.. السعودية الثانية عالمياً )
( زنا المحارم ..يدق ناقوس الخطر في السعودية )
( كشفت دراسة ميدانية حديثة أجرتها شركة أبحاث عالمية لصالح وكالة الأنباء العالمية “رويترز”، أن السعودية تحتل المركز الثالث من بين 24 دولة في قضايا التحرش الجنسي في مواقع العمل! )
( من بين كل أربع أطفال في السعودية يتعرض طفل للعنف الجنسي )
بهذه العناوين تصدّرت صحفنا اليومية وغيرها الكثير.. وما ذاك إلا بسبب محاربتنا للفطرة بمحاربتنا للاختلاط _ وهذا لا يعني أن غياب الاختلاط هو السبب الوحيد لحدوث ذلك إنما هو من الأسباب الرئيسية.

وأضيف : ان الشاب الوسيم يُنظر إليه بنظرة مختلفة لا تخفى على أحد ولا ينكرها أحد،
وهذا ما دفع بعض دعاة الدين لتغليف خطابهم بالشذوذ الجنسي في المخيمات الدعوية،
إنهم يعرفون ما الذي يجذب الشباب!

الدكتور الأمريكي سيمون جراي طبيب عمل في الدول الإسلامية فترة طويلة ثم آلف كتاباً بعنوان/ أسرار وراء الحجاب وذكر في ص94 عن مدرسة بنات في الرياض: إنها مكان يجد فيه الشذود الجنسي مرتعاً له في ظل غياب الجنس الآخر (الذكور)
ويذكر في ذات المصدر : إن العزل الشديد بين الجنسين يسبب الانحراف الجنسي.¹

البعض يخشى الاصطدام بهذه الحقائق فيتجه نحو إنكارِ وجودها،
وما يزيد الأمر سوء : أن الشذوذ بأنواعه يُحاصر بالكتمان من أفراد الأسرة،
خصوصاً زنا المحارم، مما يعني تمدد المرض تحت السطح ، ولا يمكن علاج داء دفين.

ذكر عبدالله القصيمي في كتاب/هذي هي الاغلال : أثبتت الدراسات العلمية أن المصنع المختلط يكون إنتاجه أكثر من المصنع ذو الجنس الواحد ، سواء ذكوري أو أنثوي ، ونسبة المتفوقين في المدارس المختلطة أكثر من أحادية الجنس.
إن المرأة لها مفعول السحر في بث النشاط والحيوية في المكان الذي تحل فيه.
هتلر أدرك حاجة الرجل للأنثى فأمر بإدخال المرأة في الجيش الألماني فازداد الجيش قوة²

إن اختلاط الجنسين يهذب النفس ويرفع مستوى التأدب ، الفصول الدراسية المختلطة تتسم بالهدوء والعقلانية أكثر من ذات الجنس الواحد،
الشاب الذي نشأ في بيئة مختلطة لا يتأثر برؤية الأنثى لأنه اعتاد على رؤيتها منذ الصغر
بعكس الذي لأول مرةٍ يرى أنثى، فأنه قد يلهث خلف رائحة عطرها، _لا أعمم_
والأنثى ليست بأفضل حالاً هي الأخرى، فقد ذهبت ضحية للعزل،
إنها قد تنهار بسماع كلمتين عاطفية بعكس تلك التي اختلطت منذ نعومة أظافرها._إيضاً لا أعمم_

إن المرأة في العهد النبوي وعهد الخلفاء الراشدين وعهد بني أمية كانت مختلطة بالرجال في كل شؤون الحياة ، في التعليم والعبادة والأسواق وأماكن العمل والزيارات في المنازل ،
في العهد العباسي حدث تراجع طفيف بسبب ظهور أهل الحديث كفرقة حاضرة على الساحة، فباتت المرأة تشارك الرجل في كل ما سبق ذكره باستثناء الزيارات ومجالس الترفيه ، وإذا جلست يكون بينهما ساتر ولا يُنزع الساتر إلا لحاجة.
يجدر بنا ذكر مقولة لأحدى النساء في ذلك العصر_ تحديداً في عصر هارون الرشيد_ قالت : عجباً لكم: إن المرأة إيام النبي لا تحتجب عن الرجال إلا لحاجة والآن لا تظهر لهم إلا لحاجة!

العصر العباسي الذي يعتبر أقل اختلاطاً ممن سبقه كانت المرأة فيه تنزل السوق وتشارك الرجل وتحب وتعشق وتتزوج.

أما في الأندلس فكانت المرأة تشارك الرجل في كل مشاق الحياة ، بل كانت متفردة بتعليم الاطفال القراءة الكتابة³
ننوه أن كتب الحديث مكتظة براوياتٌ نساء، وكثير من فقهاء السلف رحمهم الله تعلموا على يد نساء فاضلات، ليس في طفولتهم فحسب بل حتى في الكبر.

غاب الاختلاط فخفت الحب بين الزوجين ، والنتيجة الحتمية لذلك: كثرة الطلاق يصحبه انتشار العزوبية والعنوسه

إن السعودية من أعلى دول العالم في حالات الطلاق_قد يقول القارئ : وتلك الدول التي تشاركنا في كثرة الطلاق شعوبها مختلطة.
أقول له: إن ظروفهم مختلفة ومفهومهم للزواج والطلاق مختلف ،فمثلاً : _وعلى سبيل المثال لا الحصر_ المرأة عند بعضهم يُسمح لها بالتعدد تتزوج رجلين بذات الوقت_

إن الإحصاءات الصادرة من المحاكم القضائية في السعودية لعام 1435 : لكل 3.4حالة زواج يقابلها حالة طلاق. وهذه نسبة تهدد المجتمع بشكل مباشر.
مع إن الدولة بذلت جهوداً مشكورة للحد من الطلاق كالدورات التوعوية قبل الزواج وغيرها.. لكن جهودها باءت بالفشل ، لأن سبب الطلاق هو غياب الحب ، وحضور الحب مرهون بحضور الاختلاط.

الأخوة في التيار الديني يقولون يأتي الحب بعد الزواج!!
أسألهم/وماذا لو لم يأتي؟!
النتيجة الحتمية عندئذ: ستكون المؤسسة الزوجية مهددة بالانفصال وفي أفضل الأحوال مهترئةً مفككة.
إن غياب الحب سبب رئيسي لعزوف الشباب عن الزواج بالتالي زيادة العزوبية والعنوسه.
البعض يعزو عزوف الشباب عن الزواج للتكاليف الباهضة.
أقول له : إن الحب له قدرة فعّالة على تذويب كل المعوقات التي تحول بين وصال المحبين ، بالتالي ستنتهي مشكلة التكاليف الباهضة إيضا.

كان العرب في الجاهلية والإسلام يتفاخرون بقصص العشق، وقال النبي عليه السلام 🙁 زوجوا المتحابات ) وقصص الحب معروفة بزمن النبي ولم ينكرها عليه الصلاة والسلام.

لا أريد الإطالة في الحديث عن الأضرار الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والحضارية والأخلاقية وأرتفاع نسبة الفاحشة بسبب عزل الجنسين لأن جوهر مقالي عن الحكم الديني للاختلاط.

إسقاط أدلة محرّمي الاختلاط:

يستدل بعض المحرمون بـ (فسئلوهن من وراء حجاب )وهذا إجتزاء للآية.
فعندما نقرأ الآية كاملة نجد الخطاب مخصوص لنساء النبي (لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ) (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ)
وحتى المفسرين يقولون بمخصوصية الخطاب والحكم
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ۚ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا)
[سورة اﻷحزاب 53]

والبعض يستشهد بآية (وقرن في بيوتكن) وهذه إيضاً كسابقتها
(يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا)(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)
[سورة اﻷحزاب32 _33]
نجد الخطاب مخصوص لأمهات المؤمنين(يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ)
وإيضاً مشروط بعدم التبرج ( وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ)
فلا يصح الاستدلال بها على تحريم الاختلاط،
رغم وضوح مخصوصية الآية إلا أننا ننوه إلى أن المفسرين إيضاً يوافقوننا هنا.

بعضهم يستشهد بآية غض البصر، وهذا دليل عليهم لا لهم،
فإن لم يكن هناك اختلاط فمما نغض البصر؟!
(قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)(وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ…)
[سورة النور30_ 31]

وإليكم الأدلة التي لا تدع مجال للشك بنظري في إباحة الاختلاط:

كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) 
[سورة آل عمران 37]
زكريا يتردد على مريم ويسألها عن الرزق، فلو كان الاختلاط محرّماً لأنكره الله عليهما،
علماً أن زكريا ليس بمحرم لمريم فهو زوج خالتها كما قال القرطبي

(قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ)
[سورة النمل 32]
ملكة سبأ تختلط بالرجال وتستشيرهم في الأمر، ولم ينكر الله ذلك في القرآن

(وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ)(فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)(فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
[سورة القصص23_24_ 25]
النبي موسى عليه السلام يسأل الفتيات سؤال استنكاري ما خطبكما؟!
فلو كان ابتعادهم عن البئر بسبب الاختلاط لعرف موسى ذلك دون أن يسأل،
وهذا دليل أن وقوف الفتاتين بعيداً كان بسبب ضعفهما وليس بسبب الاختلاط، وعودة الفتاة مرسولة من أبيها حاملة رسالة لموسى(قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ)
ومرافقة موسى معهن إلى بيت أبيهما، كل هذا اختلاط واضح

ومن قال إن هذه قصصٌ قبل الإسلام ولا شأن لنا بهم
أقول له: إن القرآن لم يذكرها عبث،
وقد أمرنا الله بأتباع الإنبياء (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهَْ)
[سورة اﻷنعام 90]
علماً أن نصف كتب الفقه تستدل بالأنبياء السابقين فلما رفض الاستدلال بها في حكم الاختلاط والقبول بها في غيره ؟!

ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ۖ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء
[سورة البقرة 282]
شهادة المرأة على المتعاملين يلزم منه اختلاطها بالبائع والمشتري والدائن والمدين في الأسواق قبل تسجيل شهادتها واختلاطها بهم أثناء الإدلاء بالشهادة ، إذ كيف تشهد وهي حبيسة منزلها؟!

(وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ)
[سورة البقرة 235]
رجل شاهد امرأة أثناء الاختلاط فأحبها، فالله يقول له لا جناح عليك أن تواعدها سراً بشرط أن تقول لها قولاً معروفا.
وهذا ما يقول به كل المفسرين.

ومن المرويات الحديثية التي تثبت الاختلاط بزمن النبي:

رواية عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ : كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّئُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمِيعاً . رواه البخاري ( 190 ) .
وقد رواه أبو داود ( 80 ) وابن ماجه ( 381 ) – عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ – بلفظ ” كُنَّا نَتَوَضَّأُ نَحْنُ وَالنِّسَاءُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ نُدْلِي فِيهِ أَيْدِيَنَا ” .
ولفظ أبي خزيمة: أن الصحابي شاهد الرجال والنساء يتوضؤن من إناء واحد.
بعض أهل الحديث القدامى قالوا بما معناه :أن المعنى واضح :يتوضئُون جميعاً مختلطين.

وبعض المعاصرين من رجال الدين قالوا: المقصود أن كل رجل وزوجته يتوضئُون من إناء واحد بمفردهم في منزلهم!!
وهذا مجرد تطويع للنص ليس إلا ، ولا يستحق أن نقف عنده.

ولا أظن أن هناك من يقول : هذا كان قبل نزول “الحجاب ” _مع التحفظ لمعنى الحجاب_ لكن لو كان كذلك لأكمل الراوي: ثم مُنعوا من ذلك.

” بَابُ تَسْلِيمِ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ، وَالنِّسَاءِ عَلَى الرِّجَالِ “
َدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ، قَالَ: «كُنَّا نَفْرَحُ يَوْمَ الجُمُعَةِ» قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: ” كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ، تُرْسِلُ إِلَى بُضَاعَةَ – قَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ: نَخْلٍ بِالْمَدِينَةِ – فَتَأْخُذُ مِنْ أُصُولِ السِّلْقِ، فَتَطْرَحُهُ فِي قِدْرٍ، وَتُكَرْكِرُ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ، فَإِذَا صَلَّيْنَا الجُمُعَةَ انْصَرَفْنَا، وَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا فَتُقَدِّمُهُ إِلَيْنَا، فَنَفْرَحُ مِنْ أَجْلِهِ، وَمَا كُنَّا نَقِيلُ وَلاَ نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الجُمُعَةِ ” (رواه البخاري)
هذه امراة تستضيف الصحابة وتقدم لهم الطعام. وفي قصة أخرى يبيتون عندها.

” باب قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس “
[حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا أبو غسان قال حدثني أبو حازم عن سهل قال لما عرس أبو أسيد الساعدي دعا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فما صنع لهم طعاما ولا قربه إليهم إلا امرأته أم أسيد بلت تمرات في تور من حجارة من الليل فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من الطعام أماثته له فسقته تتحفه بذلك.]
رواه البخاري 
امرأة تخدم ضيوف زوجها وتُقدم إليهم الطعام بنفسها، قطعاً ذلك يلزم اختلاطها بهم.

“باب عيادة النساء الرجال”
[حدثنا قتيبة عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال رضي الله عنهما قالت فدخلت عليهما قلت يا أبت كيف تجدك ويا بلال كيف تجدك ]
كل من قرأ هذا النص سيفهم منه الاختلاط، إلا من قرأة ليؤكد قناعاته السابقة!

حديث (لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مُغِـيبة إلا ومعه رجل أو رجلان ) رواه مسلم
حديث يؤكد وجود الاختلاط تلك الفترة وينهى عن الخلوة.

موقف المذاهب من الاختلاط:

المذهب الحنفي والظاهري لا يشترطون الذكورية في تولي منصب القضاء (باستثناء الحدود) 
وبما أن المرأة قاضية فحتماً ستخالط الرجال. إذ كيف تسمع من المتخاصمين وتحكم بينهما دون الاختلاط بهم؟!

ذكره الإمام الكاساني :ت 587ه بدائع الصنائع (4/7)
كمال الدين الحنفي: ت 681ه
فتح القدير 5/454
أبي القاسم السمناني: ت 499ه
روضة القضاه وطريق النجاه(1/53)
ابن حزم المحلى 8/538 مسألة : 1805

وقال ابن حزم في المسألة التي تسبقها ؛ رقم 1804:
وجائز أني تلي المرأة الحكم – وهو قول أبو حنيفة – وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولى الشّفاء قومة السوق.
ويستثنى ابن حزم الخلافة العامة من أمور الحكم.
تولِّي المرأة لأمور المسلمين حتماً يلزم منه اختلاطها بهم،
وتعيين عمر بن الخطاب رضي الله عنه للشّفاء بنت عبدالله حسبة السوق قطعاً يلزم من ذلك اختلاطها

الحنابلة:
أجاز الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وعامة أصحابة أن تؤم المرأة المسلمين في صلاة النافلة ، وهذا يلزم منه الاختلاط دون شك.
الانصاف (2/264)

المالكية:
أجاز الإمام مالك أن تأكل المرأة مع غير محارمها وهذا أكثر اختلاطاً من الاختلاط في مستشفياتنا اليوم.

[ سئل مالك هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها أو مع غلامها فقال مالك ليس بذلك بأس. إذا كان ذلك على وجه ما يعرف للمرأة أن تأكل معه من الرجال قال وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله أو مع أخيها على مثل ذلك ويكره للمرأة أن تخلو مع الرجل ليس بينه وبينها حرمة ]
موطأ مالك -كتاب الجامع -باب ما جاء في الطعام والشراب

فضيلة الشيخ ابن باز رحمه سُئل: ما حكم جلوس الأخوان مع نسائهم والجميع في مجلس واحد؟

فأجاب لا بأس بأن يجلس الرجال والنساء جميعاً في مجلس واحد مع التستر.
الشيخ ابن باز رحمه الله يجيز الاختلاط هنا، والفتوى موجودة بموقعه الرسمي

قد يقول البعض الاختلاط هنا مباح كما سُئل ابن باز ولكن في المستشفيات والأماكن العامة يحرم لما فيه من التبرج 
أقول له : إن هذه ضوابط شرعية للاختلاط كالتبرج والخضوع في القول وستر العورة وغيره
أي أنها عوارض ويتغير الحكم بحسب العارض
بمعنى أن النهي يكون بسبب التبرج لا بسبب الاختلاط

أختم قولي بعد الدعاء لكم..بأني لم أذكر إلا 10% فقط من أدلة إباحة الاختلاط والمقال لا يتسع لذكرها جميعاً.

أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد.. وقبول العمل

نبذة عن الكاتب / مهتم بالقضايا الفكرية ومراجعة الموروث الإسلامي

@ma1404928
__________________________
(¹)أسرار وراء الحجاب للدكتور سيمون جراي
(²)مهزلة العقل البشري لعلي الوردي
(³)ذكرها عمرو خالد في قصة الأندلس حلقة7_ بلاط الشهداء ومراجع كثيرة جداً تثبت ذلك


الاثنين، 10 أكتوبر 2016

ديننا ليس كبيت العنكبوت

ديننا ليس كـ بيت العنكبوت

تخيل أنه في بعض المجتمعات تنتشر كتب تصف أمراض السرطان، بأعراضها، مع وصف لعمليات استئصال هذه السرطانات، فيقوم كل شخص في منزله بإجراء جراحة استئصالية لأي عضو يلحظ من خلال وصف هذه الكتب أنه مصاب!!
هذا بالضبط مايجري الآن
انتشرت ملصقات وكتب تنشر مايسمى “نواقض الإسلام” وقام الناس يكفرون بعضهم من خلالها
وكأن إسلام المرء نسيج عنكبوت يهترئ مع أي هبّة ريح، وينقضه
بخلاف مافي ذلك من اتخاذ دور “الإله في الحكم على البشر ومجازاتهم، فإن عمدة هذه النواقض يقوم على ثلاث أمور:
- أولا: تنزيل الآيات التي نزلت تصف "كفار أصليين”
وهذا عين مافعله الخوارج، قال ابن عباس رضي الله عنه “لاتكونوا كالخوارج، تأوّلوا آيات القرآن في أهل القبلة، وإنما نزلت في أهل الكتاب و المشركين، فجهلوا علمها، فسفكوا بها الدماء وانتهكوا الأموال، وشهدوا علينا بالضلال”
وقال عن هذا أيضا ابن عمر رضي الله عنه “إنهم عمدوا آيات نزلت في الكفار، وجعلوها في المسلمين”
- ثانيا: تجاهل مقصد مرتكب هذه النواقض ونيته، وإرادته الحقيقية
- ثالثا: إدعاء علم الغيب من مقتضى فعل هؤلاء الأشخاص
وهذه الدواهي الثلاث -غالبا- تجمع هؤلاء المكفرين بالجملة عند حكمهم على ضحاياهم
،،
لاشك أن الإيمان حالة يتلبسها الإنسان، فتؤثر بالضرورة في سلوكه، غير أن الإنسان بكل ضعفه ومقتضيات ظروفه الزمانية والمكانية، قد يتعرض لعوامل تقوده لحالات بشرية خالصة، كعوامل الضعف والخوف والجهل والشهوة وسواها
وليس منا إلا وتعترضه هذه العوامل، لأننا بشر ولسنا ملائكة معصومين ولا رسل مؤيَّدين
والقضاء البشري على كل نقصه وعيوبه، فإنه يراعي “الدافع” و"الإرادة" عند الحكم على البشر،، فمثلا قتل الخطأ لايتساوى في الحكم عند القتل العمد أبدا
فمابالك وقضاء العدل الحكم الخبير!
يقول تعالى “وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا(٩٢)وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا(٩٣)” النساء
فأثبت الله اختلاف الحكم بحسب النية والدافع، ونهى في الآية اللاحقة لما سبق الحكم على الأمور بظواهرها، واعتبر ذلك من الجاهلية والعدوان والتجبر وإرادة العلوّ في الأرض، يقول تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا(٩٤)” النساء
ويقول سيدي رسول الله في حديثه الصحيح المجمع عليه “إنَّمَا الأعْمَالُ بَالْنيَاتِ، وَإنَّمَا لِكل امرئ مَا نَوَى، فمَنْ كَانَتْ هِجْرَتهُ إلَى اللّه وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتهُ إلَى اللّه وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرتُهُ لِدُنيا يُصيبُهَا، أو امْرَأة يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُه إلَى مَا هَاجَرَ إليهِ ”.“
فالنية هي عمدة الحكم على سلوك أو قول شخص ما، وخاصة عند رب العباد عز وجل
فكيف يُحكم بكفر من أتى أحد هذه النواقض المذكورة ، ما لم يتم التثبت من نيته ومقصده!
فإذا كان دخول الإسلام، وطلب الثواب على أداء شعائره، يتوقف على النية؛ فمابال الكثير أهملها عند مسارعتهم بإطلاق حكم الردة أو الشرك على أحدهم!!
فهذا فرعون نطق حال غرقه بوحدانية الله، لكن لم ينفعه ذلك لأن نيته و دافعه الخوف و رغبة النجاة الفورية، إضافة كونها جائت متأخرة
وهذا الصحابي عمار بن ياسر رضي الله عنه، ينطق بسبِّ الله و رسوله، والثناء على اللات والعزى، فيقول له رسول الله "وإن عادوا فٓعُد”
وتنزل فيه الآية ١٠٦ من سورة النحل “مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ”
فجعل عمدة الكفر والعذاب العظيم على “انشراح الصدر بالكفر” لا على مجرد النطق بكلمة الكفر أو الإتيان بفعل كفريّ
ويقول الطبري في تفسير الآية السابقة “أي من أتى الكفر عن اختيار واستحباب”
ويقول ابن عباس رضي الله عنه فيها “لأن الله سبحانه يأخذ العباد بما عقدوا عليه قلوبهم”
و يقول صلى الله عليه وسلم “إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي : الْخَطَأَ ، وَالنِّسْيَانَ ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ”
ويجمع “الخطأ، و النسيان، والاستكراه” أنها أفعال خارجة عن الإرادة الحرة، فهو إخبار من النبي عليه السلام أن الله لايؤاخذ إلا على ماعقدت القلوب
وفيها يقول عز وجل في سورة البقرة “لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ(٢٨٦)”
ومما يثبت قولنا ذلك -اعتبار النية عند إرادة إطلاق حكم التكفير أو الردة أو الشرك" ماقاله ابن عبد البر في تفصيل مسألة الاستسقاء بالأنواء
والاستسقاء بالأنواء -الأنواء هي النجوم- هو نسبة السقيا بالمطر للنجوم
يقول تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} 
فقوله تعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} : معناه: نسبة المطر الذي هو الرزق النازل من الله إلى النجم؛ بأن يقال: مطرنا بنوء كذا وكذا، وهذا من أعظم الكذب والافتراء؛ كما روى الإمام أحمد والترمذي وحسنه ابن جرير وابن أبي حاتم والضياء في "المختارة"عن علي رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وتجعلون رزقكم يقول شكركم تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا وبنجم كذا وكذا)
و جاء في البخاري- “صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف؛ أقبل على الناس، فقال هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر؛ فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا؛ فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب)
في هذه المسألة، يقول ابن عبد البر وهو من كبار أئمة السلف ” إن الذي يعتقد أن الذي ينزل المطر هو النجوم من دون الله ؛ فهو كافر . وإن كان أراد أن الله عز وجل جعل النوء علامة للمطر و وقتا له، وسببا من أسبابه ، كما تحيى الأرض بالماء بعد موتها وينبت الزرع به، فهذا مؤمن لا كافر"
وهنا أيضا نجد أننا نعود إلى “نية الشخص” من قوله
فكيف بعد كل هذا نجد من يحكم على الآخرين بكفر أو ضلال بناءا على ظاهر قوله أو سلوكه!!
إنه والله التأله وتقمص دور رب البرية والعياذ بالله
،،
وكذا في ثالثا من تلك الدواهي التي ذكرناها سابقا، ويقع فيها خوارج العصر من تكفير لعباد الله المسلمين، والتي هي “الدخول في نية الشخص، والحكم عليه بكفر أو شرك بناء على مقتضى مافعل أو قال”
فمثلا القول أن “من ظاهر المشركين أو أعانهم، فهو محارب لله و رسوله، ولجماعة المؤمنين، ويحكم بكفره”
ودون الدخول في خلافات فقهية حول ذلك، فإننا نذكّر بقصة الصحابي الجليل البدريّ “حاطب بن أبي بلتعة” وهي قصة مثبتة في كتب السير
فهو قد راسل المشركين خفية، مبينا لهم نية رسول الله غزو مكة، فلما أخبر الوحي نبيه، واستخرج كتاب حاطب الذي أراد إرساله، همّ عمر الفاروق بقتل حاطب، وقال لرسول الله : دعني اقتله فقد نافق يا رسول الله
فما كان من النبي إلا أن منعه وقال له “مايدريك ياعمر لعل الله اطلع على أهل بدر وقال افعلوا ماشئتم قد غفرت لكم”
النبي -بأبي وأمي- لم يحكم بكفر حاطب ولانفاقه، بل التمس له العذر من الخوف، وعفى عنه
لم يقل هو كذّب بي و بإمكان نزول الوحي وإخباري، وهو أراد مظاهرة الكفار ضدي، إنما حكم عليه بما علم من نيته وحبه لله و رسوله
وكأني أرى بعين الخيال أن مثل حاطب هذا رضي الله عنه تُنصب له المشانق من تكفيريي هذا العصر، بمقتضى نواقض الإسلام المذكورة
بل هذا هو نبي الله يونس عليه السلام، يعصي أمر الله المباشر له بالصبر على قومه، ويظن في فورة غضب ألّن يقدر الله عليه، يقول تعالى “وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ(٨٧)” الأنبياء 
فلم يعامله الله بمقتضى هذا الفعل من تكذيب لله وعصيان أمره -حاشاه- و يسحب الله منه امتياز النبوة والرسالة، بل عامله بلطفه و رحمته
وهاهو آدم أبو البشر، يعصي أمر الله المباشر له في عدم الأكل من الشجرة، ومع ذلك يكتفي رب العزة بقوله له “فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(٣٧)” البقرة
لم يعامله الله أن مقتضى فعل العصيان هو التكذيب وجحود أمر الله
بل هاهم الصحابة الكرام في صلح الحديبية، عندما أمرهم النبي بحلق رؤوسهم والاستعداد للعودة للمدينة دون دخول مكة، فأبوا وماطلوه حتى فعلوا، وفعلوها وهم كارهون
فلم يحكم الله او نبيه بنفاقهم او ردتهم لكراهيتهم ما أمر الله!
وهاهم من قبل عندما أمرهم النبي بالخروج للقاء العدو، فكرهوا ذلك، لم يحكم الله ولا نبيه بردتهم أو نفاقهم لبغضهم ما أمر الله ، يقول تعالى"كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ(٥)“ الأنفال
ولاحظ أن الله استبقى لهم في الآية صفة "الإيمان” فلم يقل عنهم المنافقون
فتأويل أفعال العباد بحسب ما يظهر للعيان مقتضاها من جحود أو كراهية أو رغبة عن الحق، هو من أفعال المتألهين في الأرض،، وهو مرتبط كثيرا بالدخول في نوايا المرء التي ذكرناها سابقا، وهما من دواهي التكفير في هذه الأمة
يقول ابن حزم في كتابه “الفصل” “ وأما من كفَّر الناس بما تؤول إليه أقوالهم، فخطأ، لأنه كذب على الخصم، وتقويله بما لم يقل به، و إن لزمه”
،،،
أما الداهية الأولى التي ذكرناها، وهي تنزيل آيات نزلت في الكفار والمشركين كفرا وشركا أصليا على المسلمين، 
مثلا الآيات:
“ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ”
“ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ”
“ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ”
الآيات نزلت في المشركين وأهل الكتاب، يقول عنها ابن عباس “من جحد ما أنزل الله: فقد كفر. أما من أقرّ به ولم يحكم به : فهو فاسق و ظالم”
وهذه الداهية أيضا منطبقة في مثال شائع هذه الأيام،، ولست في مجال فحصه فقهيا، فهو في الأساس أمر عليه خلاف فقهي يطول، لكن أشير إليه لماما
رمي الشيعة بالكفر والشرك، لأجل قولهم “لبيك ياحسين” -رغم اعتراضي الشديد على هذا الفعل لاعتبارات شرعية وعقلية كثيرة- ، و رمي المتوسلة من الصوفية -وأيضا أسجل تحفظي على هذا الفعل- ، بالشرك، بسبب أن في ذلك توسلا بغير الله، واستغاثة به
المسألة مقتولة بحثا، وأنا شخصيا أرى فيها نوع من خلل التوحيد، لكنه لايسمى بحال شركا أكبر مخرج عن الملة
أولا لأن في ذلك تأليا على الله، و دخولا في النيات
ثانيا لأن من حكم عليهم بالشرك أو الكفر، هو إنما نزَّل عليهم آيات الكتاب التي نزلت في الكفار والمشركين كفرا وشركا أصليا، وقد سبق و قدمنا لقول ابن عباس في أول المقال، أن هذا هو مزلة الخوارج حين كفروا الصحابة رضوان الله عليهم وسائر المسلمين حينها
ولاننسى ما ثبت في كتب السيرة من استسقاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالعباس عم النبي
فقد جاء في البخاري أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى فقال “اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا” قال فيسقون
فهل هناك من يجرؤ ليشكك في عقيدة عمر بن الخطاب رضي الله عنه !!
المعول الأول وهو الفارق الرئيسي بين فعل عمر بن الخطاب وفعل أهل الجاهلية: أن أولئك كانوا يعتقدون ألوهية من يتوسلون بهم، وأنهم متصرفون في الكون، وأنهم شركاء مع الله، أما عمر و"غالب" متوسلي هذا العصر فهم يعلمون علم اليقين أن الإله هو الله وحده، وأن هذا الفعل مجرد اتخاذ وسيلة للتحبب لله
قلت أني لن اخوض في تفاصيل فقهية حول هذا الموضوع، ومن أراد فليبحث، وسيجد الخلاف فيها واسعا، لكن ما أردته هو بيان خطأ إنزال آيات خاصة بالكفار والمشركين كفرا وشركا أصليا على المؤمنين
ويشبه ذلك أيضا : إنزال آيات نزلت في المنافقين على المؤمنين!!
كما في آيات سورة التوبة “ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥)لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ(٦٦)”
فهي آيات نزلت في منافقين ، وليس في المؤمنين، ولاحظ الآية قبلها “يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ(٦٤)” فهي توضح بجلاء أن هذه الآيات كانت لفضح المنافقين
والمنافقون في أيام النبي هم في الأساس “كفار” لكنهم أظهروا الإسلام للكيد له،، فهم لايدينون لله و رسوله، فكيف يتم تنزيل آيات نزلت فيهم على مسلمين تلبسوا ربما حالة من معصية بسبب جهل أو خطأ!!
والعودة على بدء وضرورة اعتبار النية
،،،
في المحصلة فإن هذه الدواهي الثلاث هي المزلة التي وقع فيها التكفيريون، بل وكثير من المسلمين البسطاء عند تعاطيهم مع مخالفيهم أو حتى مع بعضهم، فصار التكفير بالجملة، بمجرد ظهور فعل بسيط او قول ليس له ذلك الأساس الراسخ من الكفر في قلب المرء، و نصب كل شخص نفسه إلها يحاكم ويحكم على أقوال وسلوك البشر، وانتشر التنابز بالألقاب “يا كافر، يامرتد، يامنافق، يامشرك” ونسوا قول النبي “المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده” وقوله" سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" ، ولم يخشوا قوله “ من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما” أن يئول عليهم قولهم بالكفر، ولا حول ولاقوة إلا بالله
وهنا يجدر التنويه لإشارة مهمة 
فالمتعارف عليه أن القول بردة أحدهم، ومقاضاته على ذلك، يستلزم من القاضي استتابته و أن يستوثق منه عن سبب قوله أو فعله، وباعثه، وحجته فيما اتُّهِم به،، “هكذا في كتب الفقه”
وهنا اشارة دقيقة جدا لاعتبار النية دون المقتضى للحكم بنقض دين أحدهم
،،،
في النهاية ،، أخشى أني أطلت عليكم، لكن فقط أردت بيان أن عقيدة المرء ليست كما يصورها الكثير كبيت عنكبوت يسهل خرمه ونقضه، بل هي “عقيدة” أي معقود القلب عليها،، ولن يقوم بالفعل الكفري والناقض، مريدا له قاصدا إياه ، إلا من يرغب فعلا عن ملة إبراهيم،، لكن غالب الناس إما متأوّل أو جاهل أو مكرٓه ،،
و قيام البعض بتكفير الآخرين بسبب معصية أو مخالفة، هو فعل الخوارج الذين كفّروا على المعصية، مهما صغرت أو عظمت،،
الخروج من الإسلام كالدخول إليه تماما، في ضرورة إرادة ذلك عن معرفة ويقين وإرادة تامة
التوحيد كالإيمان، يزيد وينقص،، وهل سلم كل افعالنا تماما من إرادة الحظوة أو المنفعة الشخصية، أو دفع ضرر شخصي!!
إن كان أحدكم ملاكا خالص التوحيد حتى من هذه : فليرفع يده ويدلنا عليه،، كلنا بشر قُدّر عليه إتيان حظ نفسه من شهوة أو مطمع، وكلنا بشر يصيب ويخطئ، وكلنا بشر يخاف و يُستكرٓه ،، والحمد لله أن الله غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا
اللهم ماكان من صواب فمنك وحدك، فلك الفضل والحمد، وما كان من خطأ أو تجاوز أو نسيان، فمني ومن الشيطان، فاستغفرك وأتوب إليك، ما أردت إلا الإصلاح والحمد لله رب العالمين

للباحثة الاسلامية / همسة السنوسي