الاثنين، 10 أكتوبر 2016

ديننا ليس كبيت العنكبوت

ديننا ليس كـ بيت العنكبوت

تخيل أنه في بعض المجتمعات تنتشر كتب تصف أمراض السرطان، بأعراضها، مع وصف لعمليات استئصال هذه السرطانات، فيقوم كل شخص في منزله بإجراء جراحة استئصالية لأي عضو يلحظ من خلال وصف هذه الكتب أنه مصاب!!
هذا بالضبط مايجري الآن
انتشرت ملصقات وكتب تنشر مايسمى “نواقض الإسلام” وقام الناس يكفرون بعضهم من خلالها
وكأن إسلام المرء نسيج عنكبوت يهترئ مع أي هبّة ريح، وينقضه
بخلاف مافي ذلك من اتخاذ دور “الإله في الحكم على البشر ومجازاتهم، فإن عمدة هذه النواقض يقوم على ثلاث أمور:
- أولا: تنزيل الآيات التي نزلت تصف "كفار أصليين”
وهذا عين مافعله الخوارج، قال ابن عباس رضي الله عنه “لاتكونوا كالخوارج، تأوّلوا آيات القرآن في أهل القبلة، وإنما نزلت في أهل الكتاب و المشركين، فجهلوا علمها، فسفكوا بها الدماء وانتهكوا الأموال، وشهدوا علينا بالضلال”
وقال عن هذا أيضا ابن عمر رضي الله عنه “إنهم عمدوا آيات نزلت في الكفار، وجعلوها في المسلمين”
- ثانيا: تجاهل مقصد مرتكب هذه النواقض ونيته، وإرادته الحقيقية
- ثالثا: إدعاء علم الغيب من مقتضى فعل هؤلاء الأشخاص
وهذه الدواهي الثلاث -غالبا- تجمع هؤلاء المكفرين بالجملة عند حكمهم على ضحاياهم
،،
لاشك أن الإيمان حالة يتلبسها الإنسان، فتؤثر بالضرورة في سلوكه، غير أن الإنسان بكل ضعفه ومقتضيات ظروفه الزمانية والمكانية، قد يتعرض لعوامل تقوده لحالات بشرية خالصة، كعوامل الضعف والخوف والجهل والشهوة وسواها
وليس منا إلا وتعترضه هذه العوامل، لأننا بشر ولسنا ملائكة معصومين ولا رسل مؤيَّدين
والقضاء البشري على كل نقصه وعيوبه، فإنه يراعي “الدافع” و"الإرادة" عند الحكم على البشر،، فمثلا قتل الخطأ لايتساوى في الحكم عند القتل العمد أبدا
فمابالك وقضاء العدل الحكم الخبير!
يقول تعالى “وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا(٩٢)وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا(٩٣)” النساء
فأثبت الله اختلاف الحكم بحسب النية والدافع، ونهى في الآية اللاحقة لما سبق الحكم على الأمور بظواهرها، واعتبر ذلك من الجاهلية والعدوان والتجبر وإرادة العلوّ في الأرض، يقول تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا(٩٤)” النساء
ويقول سيدي رسول الله في حديثه الصحيح المجمع عليه “إنَّمَا الأعْمَالُ بَالْنيَاتِ، وَإنَّمَا لِكل امرئ مَا نَوَى، فمَنْ كَانَتْ هِجْرَتهُ إلَى اللّه وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتهُ إلَى اللّه وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرتُهُ لِدُنيا يُصيبُهَا، أو امْرَأة يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُه إلَى مَا هَاجَرَ إليهِ ”.“
فالنية هي عمدة الحكم على سلوك أو قول شخص ما، وخاصة عند رب العباد عز وجل
فكيف يُحكم بكفر من أتى أحد هذه النواقض المذكورة ، ما لم يتم التثبت من نيته ومقصده!
فإذا كان دخول الإسلام، وطلب الثواب على أداء شعائره، يتوقف على النية؛ فمابال الكثير أهملها عند مسارعتهم بإطلاق حكم الردة أو الشرك على أحدهم!!
فهذا فرعون نطق حال غرقه بوحدانية الله، لكن لم ينفعه ذلك لأن نيته و دافعه الخوف و رغبة النجاة الفورية، إضافة كونها جائت متأخرة
وهذا الصحابي عمار بن ياسر رضي الله عنه، ينطق بسبِّ الله و رسوله، والثناء على اللات والعزى، فيقول له رسول الله "وإن عادوا فٓعُد”
وتنزل فيه الآية ١٠٦ من سورة النحل “مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ”
فجعل عمدة الكفر والعذاب العظيم على “انشراح الصدر بالكفر” لا على مجرد النطق بكلمة الكفر أو الإتيان بفعل كفريّ
ويقول الطبري في تفسير الآية السابقة “أي من أتى الكفر عن اختيار واستحباب”
ويقول ابن عباس رضي الله عنه فيها “لأن الله سبحانه يأخذ العباد بما عقدوا عليه قلوبهم”
و يقول صلى الله عليه وسلم “إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي : الْخَطَأَ ، وَالنِّسْيَانَ ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ”
ويجمع “الخطأ، و النسيان، والاستكراه” أنها أفعال خارجة عن الإرادة الحرة، فهو إخبار من النبي عليه السلام أن الله لايؤاخذ إلا على ماعقدت القلوب
وفيها يقول عز وجل في سورة البقرة “لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ(٢٨٦)”
ومما يثبت قولنا ذلك -اعتبار النية عند إرادة إطلاق حكم التكفير أو الردة أو الشرك" ماقاله ابن عبد البر في تفصيل مسألة الاستسقاء بالأنواء
والاستسقاء بالأنواء -الأنواء هي النجوم- هو نسبة السقيا بالمطر للنجوم
يقول تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} 
فقوله تعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} : معناه: نسبة المطر الذي هو الرزق النازل من الله إلى النجم؛ بأن يقال: مطرنا بنوء كذا وكذا، وهذا من أعظم الكذب والافتراء؛ كما روى الإمام أحمد والترمذي وحسنه ابن جرير وابن أبي حاتم والضياء في "المختارة"عن علي رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وتجعلون رزقكم يقول شكركم تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا وبنجم كذا وكذا)
و جاء في البخاري- “صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف؛ أقبل على الناس، فقال هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر؛ فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا؛ فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب)
في هذه المسألة، يقول ابن عبد البر وهو من كبار أئمة السلف ” إن الذي يعتقد أن الذي ينزل المطر هو النجوم من دون الله ؛ فهو كافر . وإن كان أراد أن الله عز وجل جعل النوء علامة للمطر و وقتا له، وسببا من أسبابه ، كما تحيى الأرض بالماء بعد موتها وينبت الزرع به، فهذا مؤمن لا كافر"
وهنا أيضا نجد أننا نعود إلى “نية الشخص” من قوله
فكيف بعد كل هذا نجد من يحكم على الآخرين بكفر أو ضلال بناءا على ظاهر قوله أو سلوكه!!
إنه والله التأله وتقمص دور رب البرية والعياذ بالله
،،
وكذا في ثالثا من تلك الدواهي التي ذكرناها سابقا، ويقع فيها خوارج العصر من تكفير لعباد الله المسلمين، والتي هي “الدخول في نية الشخص، والحكم عليه بكفر أو شرك بناء على مقتضى مافعل أو قال”
فمثلا القول أن “من ظاهر المشركين أو أعانهم، فهو محارب لله و رسوله، ولجماعة المؤمنين، ويحكم بكفره”
ودون الدخول في خلافات فقهية حول ذلك، فإننا نذكّر بقصة الصحابي الجليل البدريّ “حاطب بن أبي بلتعة” وهي قصة مثبتة في كتب السير
فهو قد راسل المشركين خفية، مبينا لهم نية رسول الله غزو مكة، فلما أخبر الوحي نبيه، واستخرج كتاب حاطب الذي أراد إرساله، همّ عمر الفاروق بقتل حاطب، وقال لرسول الله : دعني اقتله فقد نافق يا رسول الله
فما كان من النبي إلا أن منعه وقال له “مايدريك ياعمر لعل الله اطلع على أهل بدر وقال افعلوا ماشئتم قد غفرت لكم”
النبي -بأبي وأمي- لم يحكم بكفر حاطب ولانفاقه، بل التمس له العذر من الخوف، وعفى عنه
لم يقل هو كذّب بي و بإمكان نزول الوحي وإخباري، وهو أراد مظاهرة الكفار ضدي، إنما حكم عليه بما علم من نيته وحبه لله و رسوله
وكأني أرى بعين الخيال أن مثل حاطب هذا رضي الله عنه تُنصب له المشانق من تكفيريي هذا العصر، بمقتضى نواقض الإسلام المذكورة
بل هذا هو نبي الله يونس عليه السلام، يعصي أمر الله المباشر له بالصبر على قومه، ويظن في فورة غضب ألّن يقدر الله عليه، يقول تعالى “وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ(٨٧)” الأنبياء 
فلم يعامله الله بمقتضى هذا الفعل من تكذيب لله وعصيان أمره -حاشاه- و يسحب الله منه امتياز النبوة والرسالة، بل عامله بلطفه و رحمته
وهاهو آدم أبو البشر، يعصي أمر الله المباشر له في عدم الأكل من الشجرة، ومع ذلك يكتفي رب العزة بقوله له “فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(٣٧)” البقرة
لم يعامله الله أن مقتضى فعل العصيان هو التكذيب وجحود أمر الله
بل هاهم الصحابة الكرام في صلح الحديبية، عندما أمرهم النبي بحلق رؤوسهم والاستعداد للعودة للمدينة دون دخول مكة، فأبوا وماطلوه حتى فعلوا، وفعلوها وهم كارهون
فلم يحكم الله او نبيه بنفاقهم او ردتهم لكراهيتهم ما أمر الله!
وهاهم من قبل عندما أمرهم النبي بالخروج للقاء العدو، فكرهوا ذلك، لم يحكم الله ولا نبيه بردتهم أو نفاقهم لبغضهم ما أمر الله ، يقول تعالى"كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ(٥)“ الأنفال
ولاحظ أن الله استبقى لهم في الآية صفة "الإيمان” فلم يقل عنهم المنافقون
فتأويل أفعال العباد بحسب ما يظهر للعيان مقتضاها من جحود أو كراهية أو رغبة عن الحق، هو من أفعال المتألهين في الأرض،، وهو مرتبط كثيرا بالدخول في نوايا المرء التي ذكرناها سابقا، وهما من دواهي التكفير في هذه الأمة
يقول ابن حزم في كتابه “الفصل” “ وأما من كفَّر الناس بما تؤول إليه أقوالهم، فخطأ، لأنه كذب على الخصم، وتقويله بما لم يقل به، و إن لزمه”
،،،
أما الداهية الأولى التي ذكرناها، وهي تنزيل آيات نزلت في الكفار والمشركين كفرا وشركا أصليا على المسلمين، 
مثلا الآيات:
“ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ”
“ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ”
“ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ”
الآيات نزلت في المشركين وأهل الكتاب، يقول عنها ابن عباس “من جحد ما أنزل الله: فقد كفر. أما من أقرّ به ولم يحكم به : فهو فاسق و ظالم”
وهذه الداهية أيضا منطبقة في مثال شائع هذه الأيام،، ولست في مجال فحصه فقهيا، فهو في الأساس أمر عليه خلاف فقهي يطول، لكن أشير إليه لماما
رمي الشيعة بالكفر والشرك، لأجل قولهم “لبيك ياحسين” -رغم اعتراضي الشديد على هذا الفعل لاعتبارات شرعية وعقلية كثيرة- ، و رمي المتوسلة من الصوفية -وأيضا أسجل تحفظي على هذا الفعل- ، بالشرك، بسبب أن في ذلك توسلا بغير الله، واستغاثة به
المسألة مقتولة بحثا، وأنا شخصيا أرى فيها نوع من خلل التوحيد، لكنه لايسمى بحال شركا أكبر مخرج عن الملة
أولا لأن في ذلك تأليا على الله، و دخولا في النيات
ثانيا لأن من حكم عليهم بالشرك أو الكفر، هو إنما نزَّل عليهم آيات الكتاب التي نزلت في الكفار والمشركين كفرا وشركا أصليا، وقد سبق و قدمنا لقول ابن عباس في أول المقال، أن هذا هو مزلة الخوارج حين كفروا الصحابة رضوان الله عليهم وسائر المسلمين حينها
ولاننسى ما ثبت في كتب السيرة من استسقاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالعباس عم النبي
فقد جاء في البخاري أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى فقال “اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا” قال فيسقون
فهل هناك من يجرؤ ليشكك في عقيدة عمر بن الخطاب رضي الله عنه !!
المعول الأول وهو الفارق الرئيسي بين فعل عمر بن الخطاب وفعل أهل الجاهلية: أن أولئك كانوا يعتقدون ألوهية من يتوسلون بهم، وأنهم متصرفون في الكون، وأنهم شركاء مع الله، أما عمر و"غالب" متوسلي هذا العصر فهم يعلمون علم اليقين أن الإله هو الله وحده، وأن هذا الفعل مجرد اتخاذ وسيلة للتحبب لله
قلت أني لن اخوض في تفاصيل فقهية حول هذا الموضوع، ومن أراد فليبحث، وسيجد الخلاف فيها واسعا، لكن ما أردته هو بيان خطأ إنزال آيات خاصة بالكفار والمشركين كفرا وشركا أصليا على المؤمنين
ويشبه ذلك أيضا : إنزال آيات نزلت في المنافقين على المؤمنين!!
كما في آيات سورة التوبة “ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥)لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ(٦٦)”
فهي آيات نزلت في منافقين ، وليس في المؤمنين، ولاحظ الآية قبلها “يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ(٦٤)” فهي توضح بجلاء أن هذه الآيات كانت لفضح المنافقين
والمنافقون في أيام النبي هم في الأساس “كفار” لكنهم أظهروا الإسلام للكيد له،، فهم لايدينون لله و رسوله، فكيف يتم تنزيل آيات نزلت فيهم على مسلمين تلبسوا ربما حالة من معصية بسبب جهل أو خطأ!!
والعودة على بدء وضرورة اعتبار النية
،،،
في المحصلة فإن هذه الدواهي الثلاث هي المزلة التي وقع فيها التكفيريون، بل وكثير من المسلمين البسطاء عند تعاطيهم مع مخالفيهم أو حتى مع بعضهم، فصار التكفير بالجملة، بمجرد ظهور فعل بسيط او قول ليس له ذلك الأساس الراسخ من الكفر في قلب المرء، و نصب كل شخص نفسه إلها يحاكم ويحكم على أقوال وسلوك البشر، وانتشر التنابز بالألقاب “يا كافر، يامرتد، يامنافق، يامشرك” ونسوا قول النبي “المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده” وقوله" سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" ، ولم يخشوا قوله “ من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما” أن يئول عليهم قولهم بالكفر، ولا حول ولاقوة إلا بالله
وهنا يجدر التنويه لإشارة مهمة 
فالمتعارف عليه أن القول بردة أحدهم، ومقاضاته على ذلك، يستلزم من القاضي استتابته و أن يستوثق منه عن سبب قوله أو فعله، وباعثه، وحجته فيما اتُّهِم به،، “هكذا في كتب الفقه”
وهنا اشارة دقيقة جدا لاعتبار النية دون المقتضى للحكم بنقض دين أحدهم
،،،
في النهاية ،، أخشى أني أطلت عليكم، لكن فقط أردت بيان أن عقيدة المرء ليست كما يصورها الكثير كبيت عنكبوت يسهل خرمه ونقضه، بل هي “عقيدة” أي معقود القلب عليها،، ولن يقوم بالفعل الكفري والناقض، مريدا له قاصدا إياه ، إلا من يرغب فعلا عن ملة إبراهيم،، لكن غالب الناس إما متأوّل أو جاهل أو مكرٓه ،،
و قيام البعض بتكفير الآخرين بسبب معصية أو مخالفة، هو فعل الخوارج الذين كفّروا على المعصية، مهما صغرت أو عظمت،،
الخروج من الإسلام كالدخول إليه تماما، في ضرورة إرادة ذلك عن معرفة ويقين وإرادة تامة
التوحيد كالإيمان، يزيد وينقص،، وهل سلم كل افعالنا تماما من إرادة الحظوة أو المنفعة الشخصية، أو دفع ضرر شخصي!!
إن كان أحدكم ملاكا خالص التوحيد حتى من هذه : فليرفع يده ويدلنا عليه،، كلنا بشر قُدّر عليه إتيان حظ نفسه من شهوة أو مطمع، وكلنا بشر يصيب ويخطئ، وكلنا بشر يخاف و يُستكرٓه ،، والحمد لله أن الله غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا
اللهم ماكان من صواب فمنك وحدك، فلك الفضل والحمد، وما كان من خطأ أو تجاوز أو نسيان، فمني ومن الشيطان، فاستغفرك وأتوب إليك، ما أردت إلا الإصلاح والحمد لله رب العالمين

للباحثة الاسلامية / همسة السنوسي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق