الجمعة، 29 يناير 2016

هل الروايات (السنة) مصدر تشريع

هل السُنّـة مصدر للتشريع؟

نشأنا وتعلمنا منذ الصغر أن السنة هي المصدر الثاني للتشريع في الدين الإسلامي. هكذا تم تلقيننا في المدارس والجامعات والمحاضرات والخُطَب، وفي كل مكان وعبر كل وسيلة. ولكن ما مدى صحة هذا الأمر؟ لنرى الإجابة في ثنايا هذه المقالة.

١) الصحابة

يبدأ سند جميع أحاديث السنة النبوية من الصحابة. والصحابة في علم الحديث عدول لا يتسرب إليهم الشك مطلقاً، وذلك لأن الله اختارهم لصحبة نبيه كما يقول علماء الحديث. وعليه، فبمجرد ثبوت سند الحديث إلى الصحابي ومنه إلى النبي، يصبح هذا الحديث جزءاً من الشريعة الإسلامية يجب العمل بمقتضاه!

إن هذه المكانة العظيمة للصحابة يعوزها الدليل. فإذا طلبنا الدليل من القرآن، نجد أن اشتقاقات «صَحِبَ» في القرآن تدل فقط على الرفقة الزمانية والمكانية أو التملّك المجازي. فليست الصُّحْبَة تزكية بحد ذاتها. وهنا أمثلة لبعض الآيات:

إذن، ومن حيث المصطلح القرآني، فليست الصحبة تزكية مطلقة كما يدّعي أصحاب الحديث. ومن جهة أخرى، فالقرآن قد أخبرنا في آيات كثيرة بوجود المنافقين حول النبي وأذيتهم وكيدهم للإسلام والمسلمين. وفيما يلي بعض تلك الآيات:

﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾
يقرر الله في هذه الآية وجود المنافقين بالمدينة، كما يقرر أمر مهم وهو أن النبي لا يعرفهم كلهم. فكيف يمكننا نحن أن نزكي كل من صحب الرسول ونشهد له بالإيمان إذا كان الرسول نفسه لا يمكنه فعل ذلك؟ (*)

﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾
وفي هذه الآية يخبرنا ربنا أن المنافقين يحضرون عند النبي ويستمعون إليه. ثم إذا خرجوا من عنده، تساءلوا متهكمين ومستخفين بما قاله. فكيف نضمن أن أحداً من أولئك لم يحرّف كلام النبي أو يدسّ أحاديثاً مكذوبة عليه؟

﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ۖ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾
أما في هذه الآية فنجد نَصّاً صريحاً على تحريف المنافقين لكلام النبي. فكيف نثق نحن بجميع ما وصلنا من الصحابة إذا كان هذا كلام القرآن عن بعضهم؟

﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ / فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ / فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾
وفي هذه الآيات يتحدث الله عن بعض الصحابة الذي عاهدوا الله لإن رزقهم المال ليتصدقون منه وليكنون من الصالحين. فلما رزقهم، بخلوا وخفروا بنذرهم. فكان جزاءهم النفاق الأبدي.

هذا، ولا ننسى الإشارة إلى نوع من الصحابة عُرِفوا في التاريخ باسم «الطلقاء». وهم كفار قريش الذين عفا عنهم النبي يوم فتح مكة وقال لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». إن القرآن يخبرنا عن عدم إيمان كفار مكة بعدما أصرّوا على الكفر، بالرغم من كل الجهد الذي بذله معهم الرسول في دعوتهم. ولقد تم تقرير هذا في آيات كثيرة، منها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ / خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وأيضاً قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.

بالإضافة إلى ذلك، فالصحابة لم يكونوا متساوين في كل شيء! فكان منهم: الكبير والصغير، والعالم والجاهل، والحافظ والنسيّ، والمصيب والمخطئ، ومن لازم الرسول طوال حياته ومن قابله ساعة من نهار فقط، ونحو هذا.

وعليه، فالبنظر لآيات المنافقين والطلقاء، ولاختلافات الصحابة، فإن تزكية علماء الحديث لجميع الصحابة غير صحيحة ومخالفة للقرآن الكريم. وعليه، فلا يمكننا الوثوق بالروايات والأحاديث بمجرد نسبتها إلى صحابي (**).

٢) أحاديث الآحاد

وقبل الانتقال بعيداً عن الصحابة، لنتناول أحاديث الآحاد. وما يهمنا منها هنا هو خبر الآحاد في أصل السند، أي الحديث الذي رواه صحابي واحد أو عدد قليل جداً من الصحابة لا يبلغ حد التواتر. والإشكالية في هذه الأحاديث هي «العلنية».

فإذا كانت الأحاديث مصدراً للتشريع، فهل يمكن أن يتم تبليغ التشريعات لفرد واحد أو لعدد قليل من الأفراد؟ إن هذا يتناقض مع مبدأ علنية القوانين، وهو المبدأ الذي يسير عليه البشر في كل مكان. فأي جهة تشريعية، كالبرلمانات أو المنظمات مثلاً، تقوم بإعلان قوانينها ونشرها عبر وسائل الإعلام المختلفة لتكتسب صفة الإلزام. فكيف للرسول، المأمور بتبليغ رسالة الله للناس، أن يُقصّر في هذا الأمر، فلا يُخبِر بأوامر الله إلا واحداً أو أفراداً معدودين، ويكتمها عن البقية؟!

ومع ذلك، فلو صحّت أحاديث الآحاد، فهذا يعني أن النبي لم يعلنها على عموم الناس لأنها لم تكن جزءاً من الرسالة. وإنما قالها لصحابي أو لعدد قليل من الصحابة كحكم خاص أو فتوى مرحلية أو نصيحة لا يمكن تعميمها على الجميع، ناهيك أن تكون أبدية شاملة لكل زمان ومكان.

إن اعتماد أحاديث الآحاد في أمور العقائد والتشريعات العامة يشكك في نزاهة الرسول -وحاشاه- ويتهمه بالتقصير في أمر الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾

٣) معايير التصحيح

رأينا كيف يزكّي علماء الحديث جميع من صحب الرسول، في مخالفة لواقع الصحابة ولنصوص القرآن. والآن سنسلط الضوء سريعاً على معاييرهم في تزكية الرواة من غير الصحابة (أي من رتبة التابعين وحتى عصر التدوين). وهذا ما يسمونه بعلم الرِجَال أو علم الجرح والتعديل.

أبرز إشكالية يقع فيها علماء الأحاديث هي: تزكيتهم وتوثيقهم لأشخاص ماتوا قبلهم بعشرات ومئات السنين! فكيف عرف البخاري مثلاً أنَّ فلاناً التابعي أو تابع التابعي هو ثقة عدل ضبط ثبت؟! فإذا كان الإنسان لا يعرف صدق أو كذب أقرب الناس إليه وهو يتحدث معه وجهاً لوجه، فكيف يعرف صدق أو كذب شخص لم يقابله أبداً ولم يعش في بلده ويفصله عنه مئات السنين؟! إن المنطق والتجربة يقولان أن تزكية الأشخاص بهذه الطريقة لا يمكن الوثوق بها مطلقاً.

هذا ويشترط علماء الحديث في الرواة صفات: التدين والصدق والضبط والمُروّة. ولا أدري كيف يعرفون هذا في الرواة والإنسان قديماً وحديثاً ما يزال قادراً على النفاق والكذب ومتّصفاً بالنسيان والخطأ؟!

إن القاعدة التي يقوم عليه علم الرِجَال باطلة كما رأينا. ولكن علماء الحديث يصرّون على البناء عليها رغم ذلك. وقد أدى بهم هذا الإصرار إلى الإختلاف في كل شيء تقريباً! فقد اختلفوا في تعريف الراوي وفي محددات عدالة الراوي، كما اختلفوا على الرواة أنفسهم. فهذا الراوي قوي عند فلان من العلماء، ولكنه ضعيف عند عالِم آخر!

٤) انقطاع الأسانيد

يولي علماء الحديث مسألة اتصال السند أهمية خاصة. ذلك أن انقطاع السند (أي سقوط راوي منه أو ورود رجل مبهم فيه) يعتبر علامة على ضعف الحديث. ولنا هنا أن نتساءل: أين أسانيد الأحاديث التي بين أيدينا اليوم؟! سيقولون: انتهى الإسناد بالتدوين. وسنسألهم حينها: لماذا انتهى؟ ثم أين أسانيد مدوناتكم؟

وعليه، فيمكننا محاججة علماء الحديث ومطالبتهم بما ألزموا به أنفسهم. فنقول لهم: هاتوا أسانيد كتبكم التسعة المشهورة منذ تدوينها وحتى اليوم! ولكنهم سيعجزون عن هذا. فهم قد انقلبوا على معاييرهم وشروطهم، فتركوا السند وأخذوا بالورق! وإن جميع أحاديثهم تنقطع أسانيدها عند المدونات، وتلك المدونات عبارة عن أوراق وصحائف لا نعرف لأكثرها سنداً.

٥) متون الأحاديث

وبعد استعراضنا لمسألة الإسناد (الصحابة ومعايير التصحيح وانقطاع الأسانيد)، فلنتطرّق لمتون الروايات. وهذه مسألة كبيرة جداً ومعقدة، لذلك سأكتفي منها بتعليق سريع على مفهوم الرواية بالمعنى، ثم بتقديم أمثلة على متون أحاديث متناقضة أو مشككة في القرآن أو مخالفة للثوابت العلمية.

يعترف غالب الرواة وعلماء الحديث بنقل الأحاديث بالمعنى. أي أنهم يقولون أن الروايات التي بين أيدينا ليست مطابقة للألفاظ التي نطق بها النبي تماماً، خاصة في الأحاديث الطويلة. فمتن الحديث المروي قد يُقَدِّم أو يؤخِّر بين الألفاظ، أو يستبدل ألفاظاً بأخرى مقاربة لها في المعنى. وهم لا يرون في ذلك بأساً، بل ويجعلون الأحاديث المتقاربة من صنف الروايات متعددة الطُرُق!

إنه من المعروف أنّ الصياغة والانضباط اللفظي من شروط النصوص القانونية والتشريعية، فما بالكم بنصوص فوق دستورية كنصوص السنة التي يعدّها علماء الحديث وحياً سماوياً؟! إن الرواية بالمعنى وإبدال الألفاظ وتقديمها وتأخيرها قد تحرف المعنى الذي يريده المُشرّع تماماً، كما قد تثير البلبلة وتورث الشك والريبة. وجميع هذه علل لا تليق بنصوص قانونية وتشريعية عالية المكانة.

وهنا أمثلة من صحيحي البخاري ومسلم لبعض الروايات:

صحيح البخاريصحيح البخاري
عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله عن صلاتين: بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس.قالت عائشة: ابن أختي، ما تركالنبي صلى الله عليه وسلم السجدتين بعد العصر عندي قط.
التعليق: يروي البخاري عن أبي هريرة أن الرسول نهى عن الصلاة بعد العصر. ثم يروي عن عائشة أن النبي لم يترك الصلاة بعد العصر مطلقاً! فأي رواية هي الصحيحة هنا؟!

صحيح البخاريصحيح البخاري
حدثـنا قَبِيصة بن عقبة، حدثـنا سفيان، عن عاصم، عن الشعبِي، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قَال: آخر آية نـزلَت علَى النبي صلى الله علَيه وسلم آية الربا.آية اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت فيها إلى ابن عباسفسألته عنها، فقال: نزلت هذه الآية ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم﴾، هي آخر ما نزل وما نسخها شيء.
التعليق: يقول ابن عباس في الرواية الأولى إن آخر ما نزل من القرآن كان آية كذا. وفي الرواية الثانية، يقول ابن عباس نفسه أن آخر ما نزل هي آية أخرى! فكيف نثق بهكذا روايات؟

صحيح البخاريصحيح مسلم
قال النبي صلى الله عليه وسلم: فُقِدت أمة من بني إسرائيل لا يدري ما فعلت، وإني لا أراها إلا الفأر، إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشرب، وإذا وضع لها ألبان الشاء شربت.قال [النبي]: إن الله لم يجعل لمسخ نسلاً ولا عقباً،وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك.
التعليق: يروي البخاري في الحديث الأول أن الفئران أصلها أمة من اليهود تم مسخها. بينما يروي مسلم في الحديث الثاني أن الله إذا مسخ أمة فإنه يقطع نسلها. والسؤال الآن: هل الفئران تتناسل أم لا؟!

صحيح مسلم
حدثنا أبو هريرة عن رسول الله فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر.
التعليق: هذا الحديث يعارض الحقائق والثوابت العلمية الواضحة والبسيطة. فهل كان اللحم لا يفسد في هذه الأرض قبل ظهور بني إسرائيل؟!

صحيح مسلم
عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل.
التعليق: هذا الحديث يخالف القرآن من عدة أوجه. فهو يجعل خلق ما في الأرض على مدى سبعة أيام اسبوعية. بينما القرآن يجعل خلق السماوات والأرض في ستة أيام دون تحديد نوع وطول تلك الأيام ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾. ولقد استغرق خلق الأرض وما فيها أربعة أيام ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ / وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾. فمن أين جاء مسلم بهذا الحديث الذي يعارض القرآن تماماً؟!

صحيح البخاري
عن علقمة قال: دخلت في نفر من أصحاب عبد الله الشأم، فسمع بنا أبو الدرداء فأتانا، فقال: أفيكم من يقرأ؟ فقلنا نعم. قال: فأيكم أقرأ؟ فأشاروا إلي، فقال: اقرأ، فقرأت: "والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى" قال: أنت سمعتها من فيّ صاحبك؟ قلت: نعم. قال: وأنا سمعتها من فيّ النبي صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء يأبون علينا.
التعليق: هذا الحديث من الأحاديث التي تشكك في حفظ الله للقرآن الكريم! فهو يقول أن بداية الآية الثالثة من سورة الليل «وما خلق» زائدة وليست من القرآن!

صحيح مسلم
حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن "عشر رضعات معلومات يحرمن" ثم نُسخن "بخمس معلومات"، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن.
التعليق: وهذا الحديث أيضاً من الأحاديث التي تشكك في حفظ الله للقرآن الكريم! فهو يقول أن القرآن الذي بين أيدينا ناقص. فلقد توفي الرسول وفيه آية هذا نصها: "خمس رضعات معلومات يحرمن"!

إن ما أوردته هنا من أمثلة على مآخذ في متون الأحاديث، من رواية بالمعنى وتضاد في النصوص ومخالفة للطبيعة وتشكيك في القرآن، يعد قرائن على اضطراب علم الحديث وعدم انضباطه. وبالتالي عدم ملاءمته لجعله مصدراً تشريعياً على قدم المساواة بالقرآن الكريم.

٦) القرآن والأحاديث

وبعد هذا النقد لعلم الحديث، فإنه ما يزال لدى المتمسكين به حجة يحتجون بها دائماً، مفادها: أن من نقل لنا القرآن هم من نقل لنا السنة، فإذا شككنا في السنة، فهذا يحتم علينا التشكيك في القرآن.

ويرد القرآن نفسه على هذه الحجة. فالقرآن أولاً يصرح بأن مهمة حفظه وجمعه قد تكفل بها ربنا تعالى، ولم يكلها للبشر مباشرة. فلقد قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وقال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾.

وثانياً، فالقرآن احتج بالمتن على صحته وليس بالسند، حيث قال ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. فجعل الاختلاف دليلاً على عدم الصحة ولو كان السند صحيحاً، وهذا مطعن كبير في علم الحديث المليء بالمتناقضات (***).

وثالثاً، فالقرآن تحدى الناس بذاته أن يأتوا بمثله، قال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. بينما في الأحاديث، نجد الكثير من الروايات الموضوعة والضعيفة التي تشبه الروايات الصحيحة، وهذا دليل على عدم حفظ الروايات.

ورابعاً، فإن القلة من المسلمين اليوم يعرفون سند القرآن. ولو عرفه أكثرهم لتفاجؤوا مثلاً بوجود الصحابي عبدالله بن مسعود على رأس سنده، وهو الذي ينكر وجود سورتي المعوذتين ضمن القرآن!

وخامساً، فلو أن القرآن قد نُقل إلينا بذات الطريقة التي نُقلت بها السنة، لوجدناه يعاني من نفس مشاكل السنة! أي لكان لدينا مثلاً: آية صحيحة، وآية حسنة، وأخرى ضعيفة، وسند متصل وآخر منقطع، وهكذا! ولكننا نجد القرآن سليم محفوظ لا يعاني من هذه العلل.

٧) الحاجة للسنة

ومن ضمن الحجج التي يسوقها أيضاً داعمو علم الحديث قولهم أن السنة ضرورية لفهم القرآن وتفسيره. وهذا الادعاء باطل ومضطرب من عدة وجوه: 

- أولاً، ما الحاجة لوحي القرآن إذا كان مبهماً ويحتاج لوحي آخر لتفسيره؟! 
- ثانياً، إذا كان القرآن يحتاج لوحي لتفسيره تفسيراً محدداً ونهائياً، فهذا يعني أن القرآن محدود وثابت. وبالتالي، ليس صالحاً لكل زمان ومكان! 
- ثالثاً، إذا كانت الروايات مفسرة للقرآن فهذا يعني أننا نفسر النص قطعي الثبوت بالنص ظني الثبوت، وفي هذا قلب للترتيب المنطقي والطبيعي للأشياء! 
- رابعاً وأخيراً، لا يوجد لدينا أصلاً أحاديث لتفسير القرآن! وكل ما هو موجود ليس إلا تعليقات وأحداث عابرة على بعض الآيات فقط وليس لجميع القرآن.

الخاتمة

استعرضنا في هذه المقالة بعض المآخذ على علم الحديث، والتي ظهر من خلالها كعِلم مضطرب وظني وغير قطعي. وبالتالي، لا يمكن بناء دين على علم بهذه الصفة. ومع ذلك، فنقدنا لعلم الحديث لا يهدف لرد الأحاديث جميعها. وإنما يهدف لوضع الأحاديث والروايات في مكانها الطبيعي. فلا نساويها بالقرآن، ولا نقبل أن تؤسس لتشريعات مستقلة ليس لها ذكر في الكتاب العزيز، مثل رجم الزاني المحصن وقتل المرتد. ناهيك أن نقبل منها أن تفسر القرآن أو أن تلغي (تنسخ) بعض آياته!

أما فيما عدى العقائد والتشريعات، فيمكن الاعتماد على الروايات لمعرفة التاريخ ولاستسقاء الحكمة ولأخذ العبرة. مع عدم التحرّج في نقد الأحاديث ودراستها دراسة علمية حديثة تقارنها مع شواهد التاريخ وآثاره، ومع مستجدات العلوم والتجارب الإنسانية في مجال الاجتماع والسياسة والنظم التشريعية والطب وغيرها.

وبعد كل هذا، أود أن أهمس لعلماء الحديث ولمن اتبعهم: ألا تخافون من الله حين تُكفروّن من لا يأخذ بقولكم وقواعدكم في تصحيح الأحاديث والعمل بها؟ كيف تتألون على الله وتحكمون على عباده بالنار لمجرد أنهم لا يوافقونكم على آراء واجتهادات وضعتموها أنتم ولم يُنزل الله بها من سلطان؟

كتبه: متأمل

____________________ 
(*) يقول البعض أن الرسول عرف المنافقين وفضحهم، وأن تلك الفضيحة كانت عذاباً من العذابين الواردين في الآية ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾. والصواب أن عذاب المنافقين في الدنيا يكون في أموالهم وأولادهم بنص القرآن ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾عودة 
(**) هناك إشكاليات أخرى حول الصحابة لن أتطرق لها في هذا المقال، مثل الاتفاق على تعريف الصحابي، والاختلاف على بعض الأسماء هل كانوا صحابة أم تابعين. عودة 
(***) ولقد ابتكر علماء الحديث علم «مختلف الحديث» في محاولة لترقيع تناقضات الروايات وتقديم تبريرات لذلك.
وهذا المقال من مدونة الأخ /متأمل


الجمعة، 8 يناير 2016

الله انبتنا من الارض نباتاً- حقيقة ام مجازاً؟

الله أنبتنا من الأرض نباتاً!، حقيقة أم مجازا ؟..
موجز الحقيقة كما يقصها القرآن والتراث الديني العربي القديم كلّه، أن الإنسان الكائن العاقل المُتطور انبثق قبل عشرات الآلاف من السنين (بين ٣٥ إلى ٥٠ ألف سنة باتّفاق علماء الآثار و الأحافير)، 
لكنه لمْ ينشأ هكذا مِن تُراب أو من الفراغ، كما حشت التوراة ذلك في عقول المتدينين ومنهم نحن المسلمون للأسف، وتخلّى عن ذلك العلماء التجريبيون والمكتشفون المتحررون لانكشاف خلافه لديهم باليقين العلمي القاطع، بل جاء الإنسان مِن قمة سلالة بشرية بدائية تطورت بدورها عبر مئات الآلاف من السنين ( بالتقريب بين مليون إلى سبعة ملايين سنة حسب تقديرات علماء الآثار، لا تقديرنا ). فآدم هو أول كائن إنساني (١)، وهو ليس بمعصوم عن الخطأ (٢)، ومنه نسلت الإنسانية المليارية هذه.

أما كيف خُلق أول كائن بشري، فليس هناك كائن بشري أول، بل مجموعة كائنات بشرية، نشأت بتدبير القوة الربانية من طين الأرض وعناصرها، في أجواء مرّ بها كوكب الأرض من ضغط وحرارة ومغناطيسية وكيمياء لمْ تمر بها ولن تمر، ثُم هذه الكائنات البشرية المنبثّة رجالاً ونساءً، في طور لاحق؛ تزاوجت، وأنجبت السلالة البشرية التي تطورت عبر مئات الآلاف من السنين. فلم يتطور الكائن البشري من قرد أو من كائنات أدنى كما يقول العالم شارلز داروين، بل بدأت الكائنات جميعها متمايزة بأنواعها، بجيناتها الخاصة بها، ونمت في حاضنات (بيوض) طينية بدلاً من الأرحام حتّى اكتملت، فخرجت إلى الدنيا، لتبدأ من بعدها حقبة التزاوج.

فلو قُيض لنا أن نكون حاضري ذلك المشهد الرهيب، في سفرٍ عبر الزمن السحيق، لما حسبنا إلاّ أنّنا على سطح كوكبٍ غريبٍ آخر، نُعاين فيه فيلماً جامحاً من أفلام الخيال العلمي عن تخلّق كائنات غريبة وانبثاقها من باطن مستنقعات الطين بدون تزاوج.

والتراث الديني في نصوصه، بغض النظر عن أفهام مترجميه ومؤوليه، كان متّفقاً حول هذه النقطة بحيثياتها.

حين أعلم ربك الملائكة بإنشاء الكائن البشري الذي هو آخر الكائنات الأرضية: 
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ () فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ)، 
و(إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ () فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)،
إن كتاب الله يُثبت بلسانه العربي المبين أن هنالك نشأتَين كيفيتَين في خلْقه؛
واحدة يخرج من الأرض كالنبات، 
والثانية من الأرحام بلقاح الذكر والأنثى، 
أما تاريخياً فهم ثلاث نشآت: من الأرض، ثُم من الأرحام، ثُم من الأرض، فكيف ذلك ؟..
١- النشأة من الأرض:
(وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ)،
هذه الآية تُبين أمرين:
أ - أن التراث العربي أيام صالحٍ النبي العربي عليه السلاموقومه لا أقلّ الشفوي منه؛ هذا التراث الشفوي يعرف حقيقة خلق الإنسان، فإن صالحاً عليه السلام يتكلّم عنها كمُسلّمة في الأذهان المُعاصرة أو هو يُذكّرهم بها، فقط يبقى على القوم عبادة الخالق الأحد.
ب - أن القرآن يقص الحقيقة كما هي، وكما قالها تراث الأولين، لا اجتهاد فيها ولا تزييف.
فالتركيز هنا على "أنشأكم من الأرض"، ليس لها إلاّ معنى واحد، 
هو خروج البشر أولاً من الأرض.
أولئك البشر الذين أول ما نبتوا ظلّوا يُحاكون الحيوانات في كلّ شيء، 
كما يصفهم تراثنا السومري في (أسطورة "أشنان" والنعجة): 
( البشر الأوائل لمْ يعرفوا أكل الخبز، ولم يعرفوا ارتداء الملابس بعد، وكانوا يسيرون على أيديهم وأرجلهم، ومن القنوات يشربون الماء ).

وفي ملحمة الخليقة البابلية قبل ٤٠٠٠ عام إشارةً إلى هذا، أن القوة الربانية المضطلعة بالإنسان (ويسمونها "إنليل") قامت بعد تذليل الأرض بسمائها، بخلق البشر، لكن كيف؟ 

تقول الملحمة
( فحفر - أي الرب - شقاً في الأرض ووضع بدايات البشرية في الشق، وعندها بدأ البشر يظهر في الأرض، كالحشيش )، وهذا، من نصوص سومر، فالحقيقة واحدة هي هي لمْ تتغير.

ثم بعد أحقاب من تواجد أجيال مديدة من أولئك البشر، انتقل التكاثر ليكون عن طريق النطفة الذكرية والبويضة الأنثوية بتلاقح الجنسين، وهو قوله(ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ () ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَّا تَشْكُرُونَ)، لاحظ دلالات " ثُمّ "، وهذه الآيات لا تحتمل يميناً ولا شمالاً مهما حاول المفسرون ليها تقديماً أو تأخيرا أو تقديراً. 
بدأ خلْق الإنسان من طين، هو طوره البشري الأول،
" ثم " صار لهذا البشر سلالةٌ تأتي مِن " ماء " لقاح ذكوره بإناثه. 

(الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى)
لاحظ الحقبيتين جليّاً، 

" إذ " الأولى تتحدث عن مرحلة خلق البشر قبل ولادة الأرحام، 
و" إذ الثانية يُبين تولّد الجنس البشري في الأرحام.



وفي سورة "الإنسان" 
(هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا)، 
أثبت سبحانه وجود هذا "الدهر" الأول حين لمْ يكن الإنسان شيئاً مذكوراً، بل مجرد همج غير واعٍ، 
و"غير مذكور" يعني ليس له صحيفة أعمال ولا حساب ولا حضارة ولا اتّصال لا بملائكة ولا بشياطين ولا روح رباني، وهذا ما وصفته بدقّة أسطورة: "عندما رسم الآلهة المدينة " السومرية قبل أكثر من ٤٠٠٠ عام، التي بينت وجوداً بشرياً غير معبأٍ به لدى الملائكة قبل إيجاد الخليفة - الإنسان، 
فحين تمّت تسوية الإنسان بدخول القوى الربانية على نظامه ومدوناته الجينية (الأمشاج) ثُم نفخ الروح فيه، صار ذاك الكائن "سميعاً بصيراً" و"إما شاكراً وإما كفورا" حسب سورة الإنسان، أي دخل الإنسان عالَم الوعي بتعرُّفه على الخير والشر فوعى ذاته والعوالِم التي تُحيط به ووعى ربه، وأُعطي هبة ربوبية هي الحرية والتصرف ليختبر وعيه ولتدبير ما حوله، فيكون إما شاكراً وإما كفورا، بزغ له إذّاك سجود مِن ملائكة، وعداوة من شياطين، واكتسب منظومة القيم وابتدأ يُعلَّم الحضارة واللّغة بهذه الروح الربانية التي هي الوديعة التي حملها الإنسان المُستحدث مِن ركام السلالة البشرية المتحدرة من البشر الأوائل المخلوقةِ من الطين، كما بين سبحانه: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ)، ويعلن القرآن في كثير من آياته أن هناك نشأة للبشر من الأرض وهي "الإنبات" ثم بطن الأم: (إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ)، وهذه النشأة الأخرى البادئة بالنطفة هي التي سوف يفصل فيها سبحانه وتعالى عبر القرآن الكريم: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ)، فهنا ذكْر النشأتين الأولى الإنبات من التراب، والأخرى التي بطون الأمهات.

فمنذ أن خرجت أفواج "الكائن البشري" مِن بذرته الأولى، ظلّ عقيماً وقد أشارت إلى هذا متون سومر وبابل، وإلى أن أخذ في التكاثر عن طريق النطفة والبويضة مرت أزمنة مديدة، فالقرآن لم يفصّل عن هذه المرحلة لكنه اختزلها في عبارة نوح عليه السلام الذي ذكره التراث السومري العربي قبل تدوين توراة الكهنة (في القرن الثالث قبل الميلاد) بأكثر من ألفي عام وسماه "زيوسدرا" أي ذي الصدر (الصدارة)، وسماه التراث البابلي العربي في الألفية الثالثة قبل الميلاد "أتونفشتيم"أي حائط النفوس وحافظها، فقال عليه السلام كما حكى عنه القرآن: (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا)، فالعرب الأوائل عرفوا أن البشر مرّ بأطوارٍ حتّى صار إنساناً، ولهذا كان المُحاور المؤمن القديم كما نقلها القرآن عنه يقول: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا)؟! فحقبة النشأة من التراب أولاً، ثم حقبة التخلّق من النطف في الأرحام، 
ثم ... التسوية رجلاً .... لاحقاً.
وقد جاء في المروي الإسلامي الإشارة لكائنات بشرية قبل الإنسان وظلّت متزامنة مع وجوده، بل هي للآن لها وجود كامن في باطنه دعوها "النسناس" فعن علي عليه السلام وابن عباس والحسن البصري أيضاً: (ذهبَ الناس، وبقي النِّسناس) وعقّبوا بالقول (إنْ هُمْ إلاّ كالأنْعام) فهي هذا، وفي المأثور أن في آخر الزمان أيضاً (يقلّ الناس ويبقى النسناس) أي تستولي الهمجية في دواخل الفرد على إنسانيته وينطمر العقْل والروحنة منه، وهذا للأسف هو ما نشهده يومنا، بل هو السائد.

الثلاثاء، 5 يناير 2016

الجن وابليس من القران


   إن القرءان هو كتاب الله المسطور، والكون كتاب الله المنشور، والتطابق بينهما ضرورة علمية وإيمانية،{أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً }النساء82، وهذا الاختلاف هو بين النص القرآني، ومحله من الخطاب في الواقع، ولو حصل ذلك؛ يخبرنا الله أن النص  ليس من عند الله، وبما أن النص القرآني ثابت لدينا - نحن المسلمين- أنه من عند الله؛ فلا شك أن التطابق والتلاؤم والانسجام مع الفطرة والواقع شيء لابد منه.

  هذه مسألة ثابتة ليست هي محل نقاش أو اختلاف، ولكن المشكلة تكمن بفهم المسلمين للقرآن، وطريقة التعامل معه، وإذا نظرنا إلى طريقة تعامل معظم المسلمين مع القرءان نجدهم يتعاملون معه بشكل جزئي وتقطيعي، بمعنى العضوضة للنص القرآني، اقرؤوا قوله تعالى: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ }الحجر91، فدراسة مفهوم مُعين بالقرآن ينبغي أن يتم وَفق منهج خاص به، وذلك من خلال ترتيل الآيات المتعلقة بالموضوع، ومن ثم ترتيبها حسب الأولويةوالأسبقية، واستحضار المفهوم اللساني لها، وتشكيلمفهوم عام يحكم دلالة الكلمة في كل الآيات، وملاحظة المعاني من خلال السياق، لأن إذا اختلف المبنى ومكان الكلمة اختلف المعنى والمقصد مع ثبات المفهوم اللساني، والأمر أشبه باللوحة التركيبية المؤلفة من آلاف القطع،فنزع قطعة واحدة من المجموع، ومحاولة فهمها وحدها ضرب من الجنون والوهم، لأنها جزء من منظومة عامة، ولا يمكن فهمها إلاّ بإرجاعها إلا محلها من اللوحة،ووضعها بين القطع الأخرى حتى يتم ظهور المنظر العام، وكذلك النص القرآني؛ لا يمكن  تشكيل فهم من نص واحد أبداً، ولو فعل أحدكم ذلك لوصل إلى مفاهيم باطلة، ووهمية مضحكة، مثل الذي يأخذ جملة       (فويل للمصلين) أو ( لا تقربوا الصلاة) أو (فانكحوا ما طاب لكم)....الخ، فهذه المقتطعات لو أُخذت وحدها لوصل الإنسان لمفاهيم مخالفة للقرآن ذاته!!.
   وهذا العرض يوصلنا إلى أهمية عدم عَضوضة النص القرآني ، وعدم تشكيل فهم من نص واحد، وعدم فصل دراسة النص عن لوحته الخاصة به المتمثلة بالواقع، لأن الواقع هو المصداقية الحقيقية الذي يحكم على الأفهام في حال اختلف الدارسون له، كون الواقع هو كتاب الله المنشور، وهو فعل الله الظاهر لكتاب الله المسطور، والفعل أوضح من الكلام وضابط له، والطرفان المختلفان يرجعان إلى القرآن، فهذا ليس محل اختلاف، وبالتالي من الخطأ أن يتَّهم أحدهما الآخر بإنكار النص القرآني، والصواب هو اختلاف في الفهم، ورأي يقابل رأي الآخر، والصواب بينهما للذي يستطيع أن ينزل فهمه على الواقع، وَفق المفهوم اللساني، والمنظومة القرآنية كلها.
   وينبغي على الباحث أن لا يتأثر بمفهوم الأكثرية، أو الآبائية، أو مُضي الزمن الطويل على هذا المفهوم ...، فهذه كلها آفات اجتماعية تمنع الباحث من الوصول إلى الحقيقة، وحذَّر القرآن منها.
   وما أجمل كلمة الإمام علي - كرَّم الله وجهه- إذ قال لرجل يزن صواب الأفكار بمكانة الرجال: ويحك؛ الرجال ليس ميزاناً للأفكار، والحق  لايُعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله، والحق أحق أن يُتبع، ولو لم يقل به أحد، لأن الحق قوي بذاته. يالها من كلمة عظيمة صارت قاعدة فكرية ومنهج علمي.
   وبعد هذا المدخل نأتي لتسليط الضوء على مفهوم الجن في القرآن مستخدمين ما تم عرضه من منهج أو ضوابط، متجنبين الاتهامات أوالشك في النوايا، والطعن بالشخصية، وحصر الدراسة بالأفكار فقط، وهذه الدراسة ليست كاملة ولا تُغطي كل البحث، لأن مهمة المحاضرة هي عرض أهم الأفكار إضافة لرأي المحاضر، وهي غير مُلزمة لأحد، وإنما مهمتها إثارة الأفكار، وإعادتها إلى طاولة البحث والدراسة، ومن الطبيعي أن يكون هناك موافقين، أو مخالفين، أو متوقفين.
    ولدراسة مفهوم دلالة الجن، لابد من أمرين: أحدهما: دلالة الكلمة لسانياً، والآخر صور استخدامها في القرآن.
   أولاً : دلالتها اللسانية: كلمة (جن): الجيم والنون أصل واحد يدل على  الجهد أو الطاقة المستورة أو المختبئة. ومن هذا الوجه تم استخدامها على كل من يتصف بهذه الصفة، الستر والاختباء. نحو المجنون، والجنة، والجنين...الخ.
  ثانياً: صور استخدامها في القرآن:
1 ـ أتت كلمة (الجن) تدل على نوع من الأفاعي السريعة في حركتها.
{وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ }النمل10
   2ـ أتت كلمة (الجن) تدل على الكائن البشري في بطن أمه، كونه غائباً عن الأعين. { هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى }النجم32 .
3 ـ أتت كلمة ( الجن) تدل على الملائكة؛ كونها مخلوقات غائبة عن الأعين. {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ }الصافات158،وذلك عندما قال الكافرون: إن الملائكة هي إناث، وهي بنات الله، راجع سياق الآية.
4 ـ أتت كلمة (الجن ) تدل على شدة اسوداد اللّيل، وحجبه للأشياء.
قال تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ }الأنعام76
5 ـ أتت كلمة (الجن) تدل على غياب العقل والإدراك.
{إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ }المؤمنون25
6ـ أتت كلمة (الجن ) تدل على المكان المليء بالأشجار الكبيرة، التي تظلل الأرض وتخفيها{فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ }المؤمنون19
7ـ أتت كلمة (الجن ) تدل على مكان الثواب؛ الذي أعده الله  U في اليوم الآخر للمؤمنين{ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }الحديد12.
8 ـ أتت كلمة (الجن ) تدل على الاحتجاب، والاختباء، و التّحصن  وراء الشّيء( {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }المنافقون2  
9 ـ أتت كلمة ( الجن) تدل على القوم الغرباء المجهولي الهوية، أو سادة الناس.
{قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً }الجن1 .
   إذاً؛ كلمة الجن في اللسان العربي تدل على صفة الستر والاختباء، وليست هي اسماً لجنس بعينه، والقرآن نزل بلسان عربي مبين، واستخدم معاني كلمة الجن حسب دلالتها اللسانية.
والسؤال الذي يفرض ذاته هو: هل يوجد كائن جني شبحي يعيش بين الناس، ويسيطر عليهم أو يؤذيهم، كما هو سائد في الموروث الإنساني قاطبة؟
  والجواب عن هذا السؤال لابد له من أمرين أو أحدهما:
  الأول: برهان علمي، وهذا يعني قابلية هذا الأمر للدراسة العلمية.
  الثاني: برهان نقلي من القرءان يخبر بوجوده بشكل صريح وقطعي الدلالة.
والمشاهد أن هذا الكائن الجني الشبحي لا يخضع للعلم والدراسة،وبالتالي انتفى عنه البرهان العلمي.وانحصر الأمر بالبرهان النقلي من القرءان فقط.
     لننظر في مفهوم الجن الشبحي هل هو من ولادة القرآن، أو ولادة الموروث الإنساني في قديم الزمان من قبل نزول القرآن نتيجة التخلف والبدائية في الحياة؟
نجد أن مفهوم الكائن الجني الشبحي من المفاهيم الوافدة، التي دخلت إلى الثّقافة الإسلامية، واندرجت تحت نُصُوص قرآنية، مستغلين دلالات لسانية قاموا بتعبئتها حسب احتمالها اللساني، ومرروا هذه الخرافة التّاريخية التي نُسجت في الخيال الشّعبي منذ آلاف السّنين؛ نتيجة غياب العلم والوعي،  وعدم استطاعة الإنسان حينئذ من معرفة أسباب الظّواهر التي تحدث له أو لغيره، أو من حوله، مع وُجُود طبقة من النّاس  لها غرض في تكريس مثل هذه المفاهيم، فقاموا بتعزيزها في أذهان النّاس؛ حتَّى صارت عقيدة يتوارثها الأجيال، ولم تَسلم منها الرّسالات الإلهية؛ وذلك لاستمرار وُجُود هذه الطّبقة النّفعية المستغلة، فأدخلوا هذا التصور الجني، إلى مضمون الرّسالات الإلهية،  من خلالاستخدام دلالات الكلمة وسلطة النّص الإلهي؛ فقاموا ببناء مفهومهم من أهداب الكلمات، وجعلوها تنطق بما يريدون إيجاده  في أذهان النّاس، مستغلين قابلية المخيال الاجتماعي المتوارث بين مجتمعات أهل الأرض قاطبة لهذه المفاهيم !، ويعترضنا سؤال مهم جداً ، لماذا لا تتعامل هذه الكائنات الشبحية إلا مع النصابين والمخادعين!؟ ولماذا لا يخاف منها أو يحسب حسابها إلا البسطاء من الناس !؟
لذا؛ ينبغي استبعاد تأثير هذه الطّبقة الهامانية من الثّقافة الإسلامية، واستبعاد الخرافات الشّعبية من الأذهان، وتغيير طريقة دراستنا للمفاهيم التي كانت من الكلمات إلى الواقع، وجعلها من الواقع إلى الكلمات، فالواقع هو محل الخطاب، ومن ثم، هو الذي يوجه دلالات النّص دون الخروج عن مفهومه اللساني الثابت؛ لأنَّ المُسَمَّيات توجد قبل أسمائها(1).
والقرآن كتاب مُبين بذاته لا يحتاج إلى بيان، لأن كلمة (مبين) اسم فاعل، وتدل على صدور فعل التبيين، وكذلك هو نوريضيء للآخرين طريق المعرفةوالإيمان، انظروا إلى قوله تعالى: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ }يوسف1، وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً }النساء174، فالقرآن مبين ونور بذاته، {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ }فصلت42، وقد حفظ الرب النص القرآني من أن يتلاعب فيه أحد {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }الحجر9، وهذا يقتضي أن نحصر الدراسة والاستدلال به فقط، فالصواب ما أقره القرآن، والباطل ما حكم عليه القرآن بالوهم، فكلام الله يعلو ولا يعلى عليه.
   لنرى هل القرآن أخبر بوجود مثل هذا الكائن الشبحي الذي حيكت حوله القصص والعجائب!.
الأمر الأول: النّص القرآني، لم يوجه الخطاب التّشريعي لغير الإنسان، فلا يُوجد تشريع لجنس آخر في القرآن، ومن المعلوم أنَّ القرآن خطاب للإنس والجن، بدليل تكليفهم وحسابهم. اقرؤوا قوله تعالى:
{وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ }إبراهيم34
{وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوساً }الإسراء83
{وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }العنكبوت8
{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً }الأحزاب72
{يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ }الانفطار6
{يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ }الانشقاق6
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً }البقرة30
أين الجن في الخطاب الإلهي هذا ؟ ألا تلاحظون أن الخطاب كله للإنسان فقط؟ أليس الإنسان وحده الذي حمل الأمانة !؟
الأمر الثّانيإنَّ بين الجن والإنس تداخُلاً في العلاقات الاجتماعية، والثّقافية، ويؤثرون في بعضهم بعضاً؛ أي أنهم يعيشون في عالم واحد، وهذا دلالة كلمة ( يا معشر) التي أتت مرة واحدة في النص، ولم تتكرر، ولو كان الجن ليس من الناس لأتت كلمة (يا معشر) مرة ثانية خاصة لهم.
{يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ }الرحمن33
{وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ }الأنعام128
-الأمر الثّالث: إنَّ الرّسل، لا يبعثها الله إلا من جنس قومها، والرّسل للبشر هم من البشر،  ولا يُوجد رسل من الجن إلى الجن.
قال تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـذَا }الأنعام130
قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قومه} (إبراهيم 4).
انتبهوا إلى كلمة ( معشر) أتت مرة واحدة فقط، ولم تتكرر في النص قبل كلمة (الإنس) وهذا يدل على أن كليهما معشر واحد من العشرة والاختلاط.
-الأمر الرّابع: إن رسالة الإسلام موجهة إلى النّاس فقط، وكلمة الناس تشمل الإنس والجن .
قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }سبأ28
وبناء على ما ذكرنا نلاحظ أن كلمة (الناس) عامة يدخل تحتها نوعين: الإنس والجن ذكوراً وإناثاً.
{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً }الأعراف158
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }الحجرات13
{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ }الحج49
{فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ }البقرة24
أين الجن في الخطاب الإلهي هذا؟
وكلمة (ناس) من نوَس ينوس نَوَساناً، وهي تدل على الحركة المستورة المنضمة على بعضها بامتداد و منتهية بحركة حرة. وهذا الذي يحصل في العلاقات بين الناس من كونها تنوس نَوَساناً مثل حركة نوَّاس الساعة مع تعدد احتمالات التنوس، لاحظ وجود حرف النون في كل من كلمة (إنس) ، وكلمة (جن)، وترتيبه في الكلمة.
وكلمة (إنس) من أَنِس يأنس إنساناً، وهي تدل على الألفة والاستلطاف، والراحة وقَبول الآخر، والتعايش معه، والظهور، وضدها التوحش التي تدل على الطباع الغليظة والمنفرة والقاسية، وعدم التعايش، و رفض الآخر.
وكلمة (جن) تدل على الجهد أو الطاقة المستورة أو المختبئة، بمعنى حركة الكائن الإنساني بشكل مخفي في الحياة، ولا يُظهر نفسه للآخرين فهو مُقل بالظهور علناً حسب طبيعة عمله.
   وهذا يدل على أن الجن من الناس مثل الإنس ضرورة لدخولهم في معشر واحد، وخطاب واحد، وشرع واحد.
والإنس والجن صفتان لبني آدم من الناس، ويختلفون بطريقة حركتهم في الحياة المعيشية في عالم واحد متداخل بينهما، فهما صفات؛ لا أجناس.
وعلى ضوء ما مرَّ ذكره من نصوص قرآنية نفهم النصوص الأخرى مثل:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }الذاريات56، فالله خلق الناس، وكلمة ( الناس) تشمل الجن والإنس، وقد خاطبهما الله معاً بخطاب واحد: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً }الأعراف158، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }البقرة21، وهذا يدل على أن الجن من الناس مثل أن الإنس من الناس، فَمَن هُم الناس الجن؟ إنهم الفئة التي تعيش في المجتمع بشكل خفي في حركاتهم وأعمالهم لايظهرون غالباً لبقية الناس، مثل رجال الأعمال، والقيادات، وغيرهم ممن يتحكم في شؤون الناس، وهذا ملاحظ في الواقع لمن يعيشه، فيخبرنا الله أن هؤلاء الجن، و الإنس كلاهما مخلوقان لممارسة العبادة التي تدل على الحرية في الاختيار،لأن كلمة (عبد) من كلمات التضاد في ظهورها، فيوجد عبد الرحمن، ويوجد عبد الشيطان، والكلمة أتت منفردة لم تُحَدد جهة العبادة، وهذا يدل على الصورتين معاً، {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً }الكهف29.
   ونجد في القرآن كلمة (شيطان) وهي من شطن: التي تدل على انتشار ودفع منته بستر، ومن هذا الوجه يُقال لمن ابتعد عن منهج الله وشرعه؛ شيطان، وذلك لتحركه في الحياة بشكل همجي دون ضوابط تضبط سلوكه. ونقول عن الولد المؤذي في حركته: شيطان.
   إذاً؛ كلمة شيطان هي صفة مثل كلمة الجن، وليست اسم جنس، ويمكن أن تتحقق بالإنس ، ويمكن أن تتحقق بالجن، لأن ليس كل من اتصف بالجن هم شياطين، فيوجد جن صالحون، وآخرون كافرون،{وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً}الجن11.
   وكذلك كلمة إبليس فهي من بَلس التي تدل على جمع مستقر يتحرك ببطء لازم ينتهي بحركة حرة، وتظهر هذه الصورة من خلال الشيطان إذا وسوس، ومن ثم يجمع نفسه، ويفر متسللاً إذا ظهر الحق. انظر قوله تعالى:
{الذي يوسوس في صدور الناس ، من الجنة والناس}الناس5- 6. فهذا الشيطان الوسواسي يقوم بالوسوسة في صدور الناس، بمعنى أنه يقصد الذين يتصدرون قيادة الناس، ويحاول أن يقلب الحقائق وينشر الفتن، فإذا كُشف أمره أبلس، فكلمة إبليس صفة يمارسها الجني أو الإنسي من الناس، اقرأ قوله: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى }طه120، فالذي يوسوس هو الشيطان سواء أكان من الجن أم من الإنس، و الذي وسوس  لآدم هو من نوع الجن الشيطاني؛ أي من طبقة متسلطة من الناس ذات النفوذ اقرأ قوله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً }الكهف50، فالصفات الثلاثة ( الجن والشيطان وإبليس) قد تحققت به.
ويقوم بالوسوسة أيضاً النفس الأمارة بالسوء اقرأ قوله:
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ }ق16
{وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ }يوسف53
فالوسوسة الخارجية تكون من شيطان جني أو إنسي، والداخلية من نفس الإنسان الأمارة بالسوء.
   والنفس هي كائن منفوخ في الجسم من الروح تقود الجسم وتتفاعل من خلاله مع العالم الخارجي، وهي مخفية عن الأعين، وبالتالي هي كائن جني مختلفة في وجودها عن وجود الجسم، وكل منهما خُلق من مادة تتناسب مع طبيعته، لنقرأ قوله تعالى: {خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ }{وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ }الرحمن 14- 15
فالإنسان كجسم خلقه الله من طينكما أخبر في نص آخر: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ }السجدة7، فما هي المادة التي خُلقت منها النفس ؟ نجد ذلك في قوله: {وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ}كون النفس هي الكائن المخفي في الجسم ، وبالتالي هي الكائن الجني المخلوق من مارج من النار، أي من ألسنة النار المتصاعدة نحو الأعلى، ولذلك لا نجد للنفس وزناً أو لوناً أو حجماً!!، والله يتوفى الأنفس حين موتها، ولا يتوفى الأجساد!، اقرؤوا قوله تعالى:{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42،فالوفاة للنفس لا للجسم أو الروح، وبذلك صار الإنسان كائناً ترابياً ونارياً بوقت واحد، أي جسم ونفس، وروح تحكمه.
ونجد مصداق ذلك في قول إبليس عندما رفض أن يسجد لآدم: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }الأعراف12، فماذا كان الجواب؟ ولماذا لم يستمر الحوار وتوقف فجأة!؟ اقرؤوا قوله: {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ }ص77، لعنه الله لمعصيته،وطرده من الاستمرار في الحوار لأنه تغافل خلق النفس من النار عند آدم، وأثبت له صفة الطين فقط، وأغفل صفة الطين عنده وأظهر صفة النار، وهذا الفعل منه كان سبب عدم استمرار الحوار، لأن كليهما مخلوقان من نار وطين، ومثل ذلك كمثل من يقول متافخراً : إن جسمي فيه عظام بينما جسمك فيه لحم، أو دمي فيه كريات بيضاء ودمك فيه كريات حمراء، فهذه الأقوال لا تصدر إلا من غبي أو متكبر،  والحل هو؛ طرده وإيقاف الحوار ، وهذا ما حصل تماماً.
  أما قوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ }الأعراف27،فيجب أن لا نفهمها بشكل سطحي، فالنص يتكلم عن الرؤية الذهنية من الرأي، وليس عن الرؤية العينية، اقرؤوا قوله تعالى: { فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى }الصافات102، بمعنى أن رأي الشيطان وأتباعه فيكم غير رأيكم فيهم، وذلك راجع للمفاهيم التي يحملها كل منهما، فالمؤمنون يرون الناس بمنظار الحب والاحترام والإنسانية، بينما الشياطين وأتباعهم يرون الناس من منظار الكراهية والحقد والحسد والازدراء لهم، لذا؛ كان لكل منهما اتجاه في الرؤية يختلف عن الآخر، وهذا دافع لأن لا ينخدع المؤمنين بمظهر الشياطين، ويجب أن ينتبهوا لرؤيتهم الشريرة.
  وكلمة ( عفريت) تدل على قوة الإنسان بشيء وإتقانه له، نحو قولنا: إن زيداً عفريت في البناء، وهذه الصفة يمكن أن يتصف بها الإنسي أو الجني، اقرأ قوله : {قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ }النمل39، العفريت في النص كان من الجن، بمعنى أنه من السادة الغرباء الذين أسرهم النبي سليمان، وكلمة عفريت تدل على أنه كان من الماهرين في النجارة أو ما يلزم لصنع العرش، ولم يقصد العفريت أن يسرقه!.
لننظر أيضاً لصفة الجن الشياطين في المجتمع ماذا يفعلون؟ قال تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً }الإسراء64،والنص واضح بتحديد الفئة التي تشارك الإنس في الأموال والأولاد، وتمارس عليهم الوعود الكاذبة، هل هم كائنات شبحية غير مرئية ؟ وغير موجودة إلا بالذهن فقط؟ هكذا يريد الشيطان أن يُقنعكم حتى تتوجه ممانعتكم باتجاه عدو شبحي، وتقاتلون طواحين الهواء.
   حذرنا الله من كيد الشيطان وتدليسه، وأخبرنا أن رأيه فينا يختلف عن رأينا فيه، فهو عدو مُبين يخطط لنشر الفساد والرذيلة والظلم والاستبداد، والاستعباد للناس: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ }فاطر6، هل يحذرنا الله من عدو شبحي غير ممكن معرفته، وغير قابل للمشاهدة العينية؟
   انتبهوا أيها الناس لأهمية هذه المفاهيم في القرآن، وتعاملوا معها بشكل علمي وواقعي، واعرفوا أعداءكم من شياطين الجن والإنس.
   وأخيراً أقول لكم: إن هذه المفاهيم ليست من أركان الإسلام أو الإيمان، وإنما هي مفاهيم اجتماعية على درجة من الخطورة، فمن فهمها بشكل سطحي، أو شبحي جعل نفسه هدفاً سهلاً للاستعباد من شياطين الإنس والجن، وعاش بوهم وخرافة، ويخاف من خياله، وينطبق عليه مقولة المصريين: الذي يخاف من الجن يخرج له. وذلك من كثرة التصور له في ذهنه، فيجسده أمامه ولا يراه إلا هو!!. ومَن فَهمها بشكل واعي حصَّن نفسه من شرور شياطين الإنس والجن، ومن الخرافة أن تعشش في ذهنه، وحافظ على أمواله وأولاده وعرضه.
   وهذه البحث هو  محاولة لتحرير الناس من المفاهيم الشبحية والخرافية، تعرضت فيه لشرح أهم الآيات، وحاولت أن أغطي معظم الشبهات، والموضوع مازال بحاجة للدراسة والتوسع، وتركت ذلك للناس الواعيين، وأنتم منهم حريصون على معرفة الحقيقة، فكملوا المشوار دراسة، وحواراً، ونقداً.