الجمعة، 8 يناير 2016

الله انبتنا من الارض نباتاً- حقيقة ام مجازاً؟

الله أنبتنا من الأرض نباتاً!، حقيقة أم مجازا ؟..
موجز الحقيقة كما يقصها القرآن والتراث الديني العربي القديم كلّه، أن الإنسان الكائن العاقل المُتطور انبثق قبل عشرات الآلاف من السنين (بين ٣٥ إلى ٥٠ ألف سنة باتّفاق علماء الآثار و الأحافير)، 
لكنه لمْ ينشأ هكذا مِن تُراب أو من الفراغ، كما حشت التوراة ذلك في عقول المتدينين ومنهم نحن المسلمون للأسف، وتخلّى عن ذلك العلماء التجريبيون والمكتشفون المتحررون لانكشاف خلافه لديهم باليقين العلمي القاطع، بل جاء الإنسان مِن قمة سلالة بشرية بدائية تطورت بدورها عبر مئات الآلاف من السنين ( بالتقريب بين مليون إلى سبعة ملايين سنة حسب تقديرات علماء الآثار، لا تقديرنا ). فآدم هو أول كائن إنساني (١)، وهو ليس بمعصوم عن الخطأ (٢)، ومنه نسلت الإنسانية المليارية هذه.

أما كيف خُلق أول كائن بشري، فليس هناك كائن بشري أول، بل مجموعة كائنات بشرية، نشأت بتدبير القوة الربانية من طين الأرض وعناصرها، في أجواء مرّ بها كوكب الأرض من ضغط وحرارة ومغناطيسية وكيمياء لمْ تمر بها ولن تمر، ثُم هذه الكائنات البشرية المنبثّة رجالاً ونساءً، في طور لاحق؛ تزاوجت، وأنجبت السلالة البشرية التي تطورت عبر مئات الآلاف من السنين. فلم يتطور الكائن البشري من قرد أو من كائنات أدنى كما يقول العالم شارلز داروين، بل بدأت الكائنات جميعها متمايزة بأنواعها، بجيناتها الخاصة بها، ونمت في حاضنات (بيوض) طينية بدلاً من الأرحام حتّى اكتملت، فخرجت إلى الدنيا، لتبدأ من بعدها حقبة التزاوج.

فلو قُيض لنا أن نكون حاضري ذلك المشهد الرهيب، في سفرٍ عبر الزمن السحيق، لما حسبنا إلاّ أنّنا على سطح كوكبٍ غريبٍ آخر، نُعاين فيه فيلماً جامحاً من أفلام الخيال العلمي عن تخلّق كائنات غريبة وانبثاقها من باطن مستنقعات الطين بدون تزاوج.

والتراث الديني في نصوصه، بغض النظر عن أفهام مترجميه ومؤوليه، كان متّفقاً حول هذه النقطة بحيثياتها.

حين أعلم ربك الملائكة بإنشاء الكائن البشري الذي هو آخر الكائنات الأرضية: 
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ () فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ)، 
و(إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ () فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)،
إن كتاب الله يُثبت بلسانه العربي المبين أن هنالك نشأتَين كيفيتَين في خلْقه؛
واحدة يخرج من الأرض كالنبات، 
والثانية من الأرحام بلقاح الذكر والأنثى، 
أما تاريخياً فهم ثلاث نشآت: من الأرض، ثُم من الأرحام، ثُم من الأرض، فكيف ذلك ؟..
١- النشأة من الأرض:
(وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ)،
هذه الآية تُبين أمرين:
أ - أن التراث العربي أيام صالحٍ النبي العربي عليه السلاموقومه لا أقلّ الشفوي منه؛ هذا التراث الشفوي يعرف حقيقة خلق الإنسان، فإن صالحاً عليه السلام يتكلّم عنها كمُسلّمة في الأذهان المُعاصرة أو هو يُذكّرهم بها، فقط يبقى على القوم عبادة الخالق الأحد.
ب - أن القرآن يقص الحقيقة كما هي، وكما قالها تراث الأولين، لا اجتهاد فيها ولا تزييف.
فالتركيز هنا على "أنشأكم من الأرض"، ليس لها إلاّ معنى واحد، 
هو خروج البشر أولاً من الأرض.
أولئك البشر الذين أول ما نبتوا ظلّوا يُحاكون الحيوانات في كلّ شيء، 
كما يصفهم تراثنا السومري في (أسطورة "أشنان" والنعجة): 
( البشر الأوائل لمْ يعرفوا أكل الخبز، ولم يعرفوا ارتداء الملابس بعد، وكانوا يسيرون على أيديهم وأرجلهم، ومن القنوات يشربون الماء ).

وفي ملحمة الخليقة البابلية قبل ٤٠٠٠ عام إشارةً إلى هذا، أن القوة الربانية المضطلعة بالإنسان (ويسمونها "إنليل") قامت بعد تذليل الأرض بسمائها، بخلق البشر، لكن كيف؟ 

تقول الملحمة
( فحفر - أي الرب - شقاً في الأرض ووضع بدايات البشرية في الشق، وعندها بدأ البشر يظهر في الأرض، كالحشيش )، وهذا، من نصوص سومر، فالحقيقة واحدة هي هي لمْ تتغير.

ثم بعد أحقاب من تواجد أجيال مديدة من أولئك البشر، انتقل التكاثر ليكون عن طريق النطفة الذكرية والبويضة الأنثوية بتلاقح الجنسين، وهو قوله(ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ () ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَّا تَشْكُرُونَ)، لاحظ دلالات " ثُمّ "، وهذه الآيات لا تحتمل يميناً ولا شمالاً مهما حاول المفسرون ليها تقديماً أو تأخيرا أو تقديراً. 
بدأ خلْق الإنسان من طين، هو طوره البشري الأول،
" ثم " صار لهذا البشر سلالةٌ تأتي مِن " ماء " لقاح ذكوره بإناثه. 

(الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى)
لاحظ الحقبيتين جليّاً، 

" إذ " الأولى تتحدث عن مرحلة خلق البشر قبل ولادة الأرحام، 
و" إذ الثانية يُبين تولّد الجنس البشري في الأرحام.



وفي سورة "الإنسان" 
(هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا)، 
أثبت سبحانه وجود هذا "الدهر" الأول حين لمْ يكن الإنسان شيئاً مذكوراً، بل مجرد همج غير واعٍ، 
و"غير مذكور" يعني ليس له صحيفة أعمال ولا حساب ولا حضارة ولا اتّصال لا بملائكة ولا بشياطين ولا روح رباني، وهذا ما وصفته بدقّة أسطورة: "عندما رسم الآلهة المدينة " السومرية قبل أكثر من ٤٠٠٠ عام، التي بينت وجوداً بشرياً غير معبأٍ به لدى الملائكة قبل إيجاد الخليفة - الإنسان، 
فحين تمّت تسوية الإنسان بدخول القوى الربانية على نظامه ومدوناته الجينية (الأمشاج) ثُم نفخ الروح فيه، صار ذاك الكائن "سميعاً بصيراً" و"إما شاكراً وإما كفورا" حسب سورة الإنسان، أي دخل الإنسان عالَم الوعي بتعرُّفه على الخير والشر فوعى ذاته والعوالِم التي تُحيط به ووعى ربه، وأُعطي هبة ربوبية هي الحرية والتصرف ليختبر وعيه ولتدبير ما حوله، فيكون إما شاكراً وإما كفورا، بزغ له إذّاك سجود مِن ملائكة، وعداوة من شياطين، واكتسب منظومة القيم وابتدأ يُعلَّم الحضارة واللّغة بهذه الروح الربانية التي هي الوديعة التي حملها الإنسان المُستحدث مِن ركام السلالة البشرية المتحدرة من البشر الأوائل المخلوقةِ من الطين، كما بين سبحانه: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ)، ويعلن القرآن في كثير من آياته أن هناك نشأة للبشر من الأرض وهي "الإنبات" ثم بطن الأم: (إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ)، وهذه النشأة الأخرى البادئة بالنطفة هي التي سوف يفصل فيها سبحانه وتعالى عبر القرآن الكريم: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ)، فهنا ذكْر النشأتين الأولى الإنبات من التراب، والأخرى التي بطون الأمهات.

فمنذ أن خرجت أفواج "الكائن البشري" مِن بذرته الأولى، ظلّ عقيماً وقد أشارت إلى هذا متون سومر وبابل، وإلى أن أخذ في التكاثر عن طريق النطفة والبويضة مرت أزمنة مديدة، فالقرآن لم يفصّل عن هذه المرحلة لكنه اختزلها في عبارة نوح عليه السلام الذي ذكره التراث السومري العربي قبل تدوين توراة الكهنة (في القرن الثالث قبل الميلاد) بأكثر من ألفي عام وسماه "زيوسدرا" أي ذي الصدر (الصدارة)، وسماه التراث البابلي العربي في الألفية الثالثة قبل الميلاد "أتونفشتيم"أي حائط النفوس وحافظها، فقال عليه السلام كما حكى عنه القرآن: (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا)، فالعرب الأوائل عرفوا أن البشر مرّ بأطوارٍ حتّى صار إنساناً، ولهذا كان المُحاور المؤمن القديم كما نقلها القرآن عنه يقول: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا)؟! فحقبة النشأة من التراب أولاً، ثم حقبة التخلّق من النطف في الأرحام، 
ثم ... التسوية رجلاً .... لاحقاً.
وقد جاء في المروي الإسلامي الإشارة لكائنات بشرية قبل الإنسان وظلّت متزامنة مع وجوده، بل هي للآن لها وجود كامن في باطنه دعوها "النسناس" فعن علي عليه السلام وابن عباس والحسن البصري أيضاً: (ذهبَ الناس، وبقي النِّسناس) وعقّبوا بالقول (إنْ هُمْ إلاّ كالأنْعام) فهي هذا، وفي المأثور أن في آخر الزمان أيضاً (يقلّ الناس ويبقى النسناس) أي تستولي الهمجية في دواخل الفرد على إنسانيته وينطمر العقْل والروحنة منه، وهذا للأسف هو ما نشهده يومنا، بل هو السائد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق