هل السُنّـة مصدر للتشريع؟
نشأنا وتعلمنا منذ الصغر أن السنة هي المصدر الثاني للتشريع في الدين الإسلامي. هكذا تم تلقيننا في المدارس والجامعات والمحاضرات والخُطَب، وفي كل مكان وعبر كل وسيلة. ولكن ما مدى صحة هذا الأمر؟ لنرى الإجابة في ثنايا هذه المقالة.
١) الصحابة
يبدأ سند جميع أحاديث السنة النبوية من الصحابة. والصحابة في علم الحديث عدول لا يتسرب إليهم الشك مطلقاً، وذلك لأن الله اختارهم لصحبة نبيه كما يقول علماء الحديث. وعليه، فبمجرد ثبوت سند الحديث إلى الصحابي ومنه إلى النبي، يصبح هذا الحديث جزءاً من الشريعة الإسلامية يجب العمل بمقتضاه!
إن هذه المكانة العظيمة للصحابة يعوزها الدليل. فإذا طلبنا الدليل من القرآن، نجد أن اشتقاقات «صَحِبَ» في القرآن تدل فقط على الرفقة الزمانية والمكانية أو التملّك المجازي. فليست الصُّحْبَة تزكية بحد ذاتها. وهنا أمثلة لبعض الآيات:
إذن، ومن حيث المصطلح القرآني، فليست الصحبة تزكية مطلقة كما يدّعي أصحاب الحديث. ومن جهة أخرى، فالقرآن قد أخبرنا في آيات كثيرة بوجود المنافقين حول النبي وأذيتهم وكيدهم للإسلام والمسلمين. وفيما يلي بعض تلك الآيات:
| ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ |
| يقرر الله في هذه الآية وجود المنافقين بالمدينة، كما يقرر أمر مهم وهو أن النبي لا يعرفهم كلهم. فكيف يمكننا نحن أن نزكي كل من صحب الرسول ونشهد له بالإيمان إذا كان الرسول نفسه لا يمكنه فعل ذلك؟ (*) |
| ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ |
| وفي هذه الآية يخبرنا ربنا أن المنافقين يحضرون عند النبي ويستمعون إليه. ثم إذا خرجوا من عنده، تساءلوا متهكمين ومستخفين بما قاله. فكيف نضمن أن أحداً من أولئك لم يحرّف كلام النبي أو يدسّ أحاديثاً مكذوبة عليه؟ |
| ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ۖ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ |
| أما في هذه الآية فنجد نَصّاً صريحاً على تحريف المنافقين لكلام النبي. فكيف نثق نحن بجميع ما وصلنا من الصحابة إذا كان هذا كلام القرآن عن بعضهم؟ |
| ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ / فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ / فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ |
| وفي هذه الآيات يتحدث الله عن بعض الصحابة الذي عاهدوا الله لإن رزقهم المال ليتصدقون منه وليكنون من الصالحين. فلما رزقهم، بخلوا وخفروا بنذرهم. فكان جزاءهم النفاق الأبدي. |
هذا، ولا ننسى الإشارة إلى نوع من الصحابة عُرِفوا في التاريخ باسم «الطلقاء». وهم كفار قريش الذين عفا عنهم النبي يوم فتح مكة وقال لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». إن القرآن يخبرنا عن عدم إيمان كفار مكة بعدما أصرّوا على الكفر، بالرغم من كل الجهد الذي بذله معهم الرسول في دعوتهم. ولقد تم تقرير هذا في آيات كثيرة، منها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ / خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وأيضاً قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
بالإضافة إلى ذلك، فالصحابة لم يكونوا متساوين في كل شيء! فكان منهم: الكبير والصغير، والعالم والجاهل، والحافظ والنسيّ، والمصيب والمخطئ، ومن لازم الرسول طوال حياته ومن قابله ساعة من نهار فقط، ونحو هذا.
وعليه، فالبنظر لآيات المنافقين والطلقاء، ولاختلافات الصحابة، فإن تزكية علماء الحديث لجميع الصحابة غير صحيحة ومخالفة للقرآن الكريم. وعليه، فلا يمكننا الوثوق بالروايات والأحاديث بمجرد نسبتها إلى صحابي (**).
٢) أحاديث الآحاد
وقبل الانتقال بعيداً عن الصحابة، لنتناول أحاديث الآحاد. وما يهمنا منها هنا هو خبر الآحاد في أصل السند، أي الحديث الذي رواه صحابي واحد أو عدد قليل جداً من الصحابة لا يبلغ حد التواتر. والإشكالية في هذه الأحاديث هي «العلنية».
فإذا كانت الأحاديث مصدراً للتشريع، فهل يمكن أن يتم تبليغ التشريعات لفرد واحد أو لعدد قليل من الأفراد؟ إن هذا يتناقض مع مبدأ علنية القوانين، وهو المبدأ الذي يسير عليه البشر في كل مكان. فأي جهة تشريعية، كالبرلمانات أو المنظمات مثلاً، تقوم بإعلان قوانينها ونشرها عبر وسائل الإعلام المختلفة لتكتسب صفة الإلزام. فكيف للرسول، المأمور بتبليغ رسالة الله للناس، أن يُقصّر في هذا الأمر، فلا يُخبِر بأوامر الله إلا واحداً أو أفراداً معدودين، ويكتمها عن البقية؟!
ومع ذلك، فلو صحّت أحاديث الآحاد، فهذا يعني أن النبي لم يعلنها على عموم الناس لأنها لم تكن جزءاً من الرسالة. وإنما قالها لصحابي أو لعدد قليل من الصحابة كحكم خاص أو فتوى مرحلية أو نصيحة لا يمكن تعميمها على الجميع، ناهيك أن تكون أبدية شاملة لكل زمان ومكان.
إن اعتماد أحاديث الآحاد في أمور العقائد والتشريعات العامة يشكك في نزاهة الرسول -وحاشاه- ويتهمه بالتقصير في أمر الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾
٣) معايير التصحيح
رأينا كيف يزكّي علماء الحديث جميع من صحب الرسول، في مخالفة لواقع الصحابة ولنصوص القرآن. والآن سنسلط الضوء سريعاً على معاييرهم في تزكية الرواة من غير الصحابة (أي من رتبة التابعين وحتى عصر التدوين). وهذا ما يسمونه بعلم الرِجَال أو علم الجرح والتعديل.
أبرز إشكالية يقع فيها علماء الأحاديث هي: تزكيتهم وتوثيقهم لأشخاص ماتوا قبلهم بعشرات ومئات السنين! فكيف عرف البخاري مثلاً أنَّ فلاناً التابعي أو تابع التابعي هو ثقة عدل ضبط ثبت؟! فإذا كان الإنسان لا يعرف صدق أو كذب أقرب الناس إليه وهو يتحدث معه وجهاً لوجه، فكيف يعرف صدق أو كذب شخص لم يقابله أبداً ولم يعش في بلده ويفصله عنه مئات السنين؟! إن المنطق والتجربة يقولان أن تزكية الأشخاص بهذه الطريقة لا يمكن الوثوق بها مطلقاً.
هذا ويشترط علماء الحديث في الرواة صفات: التدين والصدق والضبط والمُروّة. ولا أدري كيف يعرفون هذا في الرواة والإنسان قديماً وحديثاً ما يزال قادراً على النفاق والكذب ومتّصفاً بالنسيان والخطأ؟!
إن القاعدة التي يقوم عليه علم الرِجَال باطلة كما رأينا. ولكن علماء الحديث يصرّون على البناء عليها رغم ذلك. وقد أدى بهم هذا الإصرار إلى الإختلاف في كل شيء تقريباً! فقد اختلفوا في تعريف الراوي وفي محددات عدالة الراوي، كما اختلفوا على الرواة أنفسهم. فهذا الراوي قوي عند فلان من العلماء، ولكنه ضعيف عند عالِم آخر!
٤) انقطاع الأسانيد
يولي علماء الحديث مسألة اتصال السند أهمية خاصة. ذلك أن انقطاع السند (أي سقوط راوي منه أو ورود رجل مبهم فيه) يعتبر علامة على ضعف الحديث. ولنا هنا أن نتساءل: أين أسانيد الأحاديث التي بين أيدينا اليوم؟! سيقولون: انتهى الإسناد بالتدوين. وسنسألهم حينها: لماذا انتهى؟ ثم أين أسانيد مدوناتكم؟
وعليه، فيمكننا محاججة علماء الحديث ومطالبتهم بما ألزموا به أنفسهم. فنقول لهم: هاتوا أسانيد كتبكم التسعة المشهورة منذ تدوينها وحتى اليوم! ولكنهم سيعجزون عن هذا. فهم قد انقلبوا على معاييرهم وشروطهم، فتركوا السند وأخذوا بالورق! وإن جميع أحاديثهم تنقطع أسانيدها عند المدونات، وتلك المدونات عبارة عن أوراق وصحائف لا نعرف لأكثرها سنداً.
٥) متون الأحاديث
وبعد استعراضنا لمسألة الإسناد (الصحابة ومعايير التصحيح وانقطاع الأسانيد)، فلنتطرّق لمتون الروايات. وهذه مسألة كبيرة جداً ومعقدة، لذلك سأكتفي منها بتعليق سريع على مفهوم الرواية بالمعنى، ثم بتقديم أمثلة على متون أحاديث متناقضة أو مشككة في القرآن أو مخالفة للثوابت العلمية.
يعترف غالب الرواة وعلماء الحديث بنقل الأحاديث بالمعنى. أي أنهم يقولون أن الروايات التي بين أيدينا ليست مطابقة للألفاظ التي نطق بها النبي تماماً، خاصة في الأحاديث الطويلة. فمتن الحديث المروي قد يُقَدِّم أو يؤخِّر بين الألفاظ، أو يستبدل ألفاظاً بأخرى مقاربة لها في المعنى. وهم لا يرون في ذلك بأساً، بل ويجعلون الأحاديث المتقاربة من صنف الروايات متعددة الطُرُق!
إنه من المعروف أنّ الصياغة والانضباط اللفظي من شروط النصوص القانونية والتشريعية، فما بالكم بنصوص فوق دستورية كنصوص السنة التي يعدّها علماء الحديث وحياً سماوياً؟! إن الرواية بالمعنى وإبدال الألفاظ وتقديمها وتأخيرها قد تحرف المعنى الذي يريده المُشرّع تماماً، كما قد تثير البلبلة وتورث الشك والريبة. وجميع هذه علل لا تليق بنصوص قانونية وتشريعية عالية المكانة.
وهنا أمثلة من صحيحي البخاري ومسلم لبعض الروايات:
| صحيح البخاري | صحيح البخاري |
| عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله عن صلاتين: بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس. | قالت عائشة: ابن أختي، ما تركالنبي صلى الله عليه وسلم السجدتين بعد العصر عندي قط. |
| التعليق: يروي البخاري عن أبي هريرة أن الرسول نهى عن الصلاة بعد العصر. ثم يروي عن عائشة أن النبي لم يترك الصلاة بعد العصر مطلقاً! فأي رواية هي الصحيحة هنا؟! | |
| صحيح البخاري | صحيح البخاري |
| حدثـنا قَبِيصة بن عقبة، حدثـنا سفيان، عن عاصم، عن الشعبِي، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قَال: آخر آية نـزلَت علَى النبي صلى الله علَيه وسلم آية الربا. | آية اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت فيها إلى ابن عباسفسألته عنها، فقال: نزلت هذه الآية ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم﴾، هي آخر ما نزل وما نسخها شيء. |
| التعليق: يقول ابن عباس في الرواية الأولى إن آخر ما نزل من القرآن كان آية كذا. وفي الرواية الثانية، يقول ابن عباس نفسه أن آخر ما نزل هي آية أخرى! فكيف نثق بهكذا روايات؟ | |
| صحيح البخاري | صحيح مسلم |
| قال النبي صلى الله عليه وسلم: فُقِدت أمة من بني إسرائيل لا يدري ما فعلت، وإني لا أراها إلا الفأر، إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشرب، وإذا وضع لها ألبان الشاء شربت. | قال [النبي]: إن الله لم يجعل لمسخ نسلاً ولا عقباً،وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك. |
| التعليق: يروي البخاري في الحديث الأول أن الفئران أصلها أمة من اليهود تم مسخها. بينما يروي مسلم في الحديث الثاني أن الله إذا مسخ أمة فإنه يقطع نسلها. والسؤال الآن: هل الفئران تتناسل أم لا؟! | |
| صحيح مسلم |
| حدثنا أبو هريرة عن رسول الله فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر. |
| التعليق: هذا الحديث يعارض الحقائق والثوابت العلمية الواضحة والبسيطة. فهل كان اللحم لا يفسد في هذه الأرض قبل ظهور بني إسرائيل؟! |
| صحيح مسلم |
| عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل. |
| التعليق: هذا الحديث يخالف القرآن من عدة أوجه. فهو يجعل خلق ما في الأرض على مدى سبعة أيام اسبوعية. بينما القرآن يجعل خلق السماوات والأرض في ستة أيام دون تحديد نوع وطول تلك الأيام ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾. ولقد استغرق خلق الأرض وما فيها أربعة أيام ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ / وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾. فمن أين جاء مسلم بهذا الحديث الذي يعارض القرآن تماماً؟! |
| صحيح البخاري |
| عن علقمة قال: دخلت في نفر من أصحاب عبد الله الشأم، فسمع بنا أبو الدرداء فأتانا، فقال: أفيكم من يقرأ؟ فقلنا نعم. قال: فأيكم أقرأ؟ فأشاروا إلي، فقال: اقرأ، فقرأت: "والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى" قال: أنت سمعتها من فيّ صاحبك؟ قلت: نعم. قال: وأنا سمعتها من فيّ النبي صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء يأبون علينا. |
| التعليق: هذا الحديث من الأحاديث التي تشكك في حفظ الله للقرآن الكريم! فهو يقول أن بداية الآية الثالثة من سورة الليل «وما خلق» زائدة وليست من القرآن! |
| صحيح مسلم |
| حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن "عشر رضعات معلومات يحرمن" ثم نُسخن "بخمس معلومات"، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن. |
| التعليق: وهذا الحديث أيضاً من الأحاديث التي تشكك في حفظ الله للقرآن الكريم! فهو يقول أن القرآن الذي بين أيدينا ناقص. فلقد توفي الرسول وفيه آية هذا نصها: "خمس رضعات معلومات يحرمن"! |
إن ما أوردته هنا من أمثلة على مآخذ في متون الأحاديث، من رواية بالمعنى وتضاد في النصوص ومخالفة للطبيعة وتشكيك في القرآن، يعد قرائن على اضطراب علم الحديث وعدم انضباطه. وبالتالي عدم ملاءمته لجعله مصدراً تشريعياً على قدم المساواة بالقرآن الكريم.
٦) القرآن والأحاديث
وبعد هذا النقد لعلم الحديث، فإنه ما يزال لدى المتمسكين به حجة يحتجون بها دائماً، مفادها: أن من نقل لنا القرآن هم من نقل لنا السنة، فإذا شككنا في السنة، فهذا يحتم علينا التشكيك في القرآن.
ويرد القرآن نفسه على هذه الحجة. فالقرآن أولاً يصرح بأن مهمة حفظه وجمعه قد تكفل بها ربنا تعالى، ولم يكلها للبشر مباشرة. فلقد قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وقال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾.
وثانياً، فالقرآن احتج بالمتن على صحته وليس بالسند، حيث قال ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. فجعل الاختلاف دليلاً على عدم الصحة ولو كان السند صحيحاً، وهذا مطعن كبير في علم الحديث المليء بالمتناقضات (***).
وثالثاً، فالقرآن تحدى الناس بذاته أن يأتوا بمثله، قال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. بينما في الأحاديث، نجد الكثير من الروايات الموضوعة والضعيفة التي تشبه الروايات الصحيحة، وهذا دليل على عدم حفظ الروايات.
ورابعاً، فإن القلة من المسلمين اليوم يعرفون سند القرآن. ولو عرفه أكثرهم لتفاجؤوا مثلاً بوجود الصحابي عبدالله بن مسعود على رأس سنده، وهو الذي ينكر وجود سورتي المعوذتين ضمن القرآن!
وخامساً، فلو أن القرآن قد نُقل إلينا بذات الطريقة التي نُقلت بها السنة، لوجدناه يعاني من نفس مشاكل السنة! أي لكان لدينا مثلاً: آية صحيحة، وآية حسنة، وأخرى ضعيفة، وسند متصل وآخر منقطع، وهكذا! ولكننا نجد القرآن سليم محفوظ لا يعاني من هذه العلل.
٧) الحاجة للسنة
الخاتمة
استعرضنا في هذه المقالة بعض المآخذ على علم الحديث، والتي ظهر من خلالها كعِلم مضطرب وظني وغير قطعي. وبالتالي، لا يمكن بناء دين على علم بهذه الصفة. ومع ذلك، فنقدنا لعلم الحديث لا يهدف لرد الأحاديث جميعها. وإنما يهدف لوضع الأحاديث والروايات في مكانها الطبيعي. فلا نساويها بالقرآن، ولا نقبل أن تؤسس لتشريعات مستقلة ليس لها ذكر في الكتاب العزيز، مثل رجم الزاني المحصن وقتل المرتد. ناهيك أن نقبل منها أن تفسر القرآن أو أن تلغي (تنسخ) بعض آياته!
أما فيما عدى العقائد والتشريعات، فيمكن الاعتماد على الروايات لمعرفة التاريخ ولاستسقاء الحكمة ولأخذ العبرة. مع عدم التحرّج في نقد الأحاديث ودراستها دراسة علمية حديثة تقارنها مع شواهد التاريخ وآثاره، ومع مستجدات العلوم والتجارب الإنسانية في مجال الاجتماع والسياسة والنظم التشريعية والطب وغيرها.
وبعد كل هذا، أود أن أهمس لعلماء الحديث ولمن اتبعهم: ألا تخافون من الله حين تُكفروّن من لا يأخذ بقولكم وقواعدكم في تصحيح الأحاديث والعمل بها؟ كيف تتألون على الله وتحكمون على عباده بالنار لمجرد أنهم لا يوافقونكم على آراء واجتهادات وضعتموها أنتم ولم يُنزل الله بها من سلطان؟
كتبه: متأمل
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق