الخميس، 8 سبتمبر 2016

كيف ابتعد المنهج القراني عن واقعنا

هل كان هناك من اكتفى بالقران كمصدر للتشريع على مر العصور؟ وما موقف الذين سماهم علي بالخوارج من الدين؟


للاجابة لابد ان نعرف كيف كانت  الأوضاع بعد عصر الرسول..
ففي وقت الرسول كان السائد هو الإسلام الحق بلا مذاهب ولا فرق، ولم يكن هناك مُشرّعٌ غير القرآن.
وبعد وفاة الرسول انشغل المسلمون القلة بالحروب (حروب ما سمي بالردة وحروب فارس والروم) ونتج عن هذه الحروب كسب أراض واسعة وملايين الناس تحت حكم دولة المدينة، وتزامن هذا مع تناقص أعداد المسلمين الأتقياء وتوارى الإسلام الحقيقي..
مما أوجد بيئة مناسبة لبذور الفرق والمذاهب أن تنمو، نتيجة لأن سكان المناطق المفتوحة كان لديهم معتقدات وأديان قامت عليها ثقافتهم وأعرافهم.. وهذه المعتقدات والأعراف كونت أسس أو بذور الفرق والمذاهب التي نشأت بعد ذلك.
فالتناقص الحاد في أعداد المسلمين الأتقياء القلة (الذين كانوا يمارسون ويُحكّمُون القرآن وحده في دينهم) وتأخر نسخ المصاحف إلى العام 33 للهجرة، أفسح المجال لظهور المعتقدات المختلفة عند المسلمين .. حيث كانت الفتوح قد وصلت إلى الصين شرقا وتونس غربا وبحر العرب جنوبا والأناضول شمالا، وسكان هذه البلدان كانوا يعتنقون معتقدات راسخة متنوعة احتفظ بها أو بعضها أصحابها الذين أعلنوا الدخول في الإسلام.
في تلك البيئة ومن تلك الثقافات ترعرعت الفرق والمعتقدات المتنوعة التي أصبحت فيما بعد مذاهب. ولم تنشأ المذاهب عن تحول من الإسلام الحق... بل هي معتقدات نشأت من خلفيات غير إسلامية لأهل البلاد المفتوحة (مسيحية يهودية وثنية مجوسية ... الخ) وصبغت بصبغة إسلامية..
ولما استقر الحكم لقريش ممثلا بمعاوية ابن ابي سفيان ومن جاء بعده، لم يكن يهم الحكام إعادة الناس للدين، الذي لن يكون فيه مصلحة لهم، بل سيزلزل عروشهم... لأنه لا حكم فردي في الإسلام ولا سلطة.. ولكن الدولة تدار بالقوانين (ألتشريعات) القرآنية لكل ما هو ديني، والتشريعات المدنية التي يشرعها الناس لأمور دنياهم بالشورى، وليس برأي الحاكم أو رجال الدين الرسميين.
فرأس الدولة مجرد إداري يدير الدولة بقوانين موجودة مسبقا ولا يملك حق التشريع. لذا فلم يحرك حكام قريش (أمويون وعباسيون) ساكناً ضد نشأة المعتقدات المختلفة، ولم يقودوا حملة للعودة بالناس لحكم الله (القرآن) لأنهم لم يؤمنوا به أصلا، ولأنه سيلغي تميزهم ويسلبهم صلاحياتهم التي أوجدوها في الحكم. وكل ما فعلوه هو استغلال اسم الدين للدنيا، واستخدام مسمى الدين وليس جوهره لخدمة سلطاتهم. بل إن العباسيين لم تنجح ثورتهم إلا برفع شعارات دينية، ولما استتب لهم الحكم كانوا أكثر تسلطاً من أسلافهم الأمويين.
وكل ما فعله الحكام هو تبني معتقدات تخدمهم وترسخ حكمهم، وتجرم كل منتقد لهم أو خارج عليهم، وقد وجدوا ضالتهم في المذاهب التي ظهرت على الساحة.
وفي مثل هذه الأجواء لم يكن من الممكن قبول ظهور أشخاص ينادون بالعودة لحكم الله، فتم حربهم بمسميات تبدوا في ظاهرها أنها مع الحق وفي باطنها تحاربه.
فعلي ابن أبي طالب قاتل جماعة (يقال عنهم إنهم حفظة للقرآن) لأنهم احتجوا عليه عندما اتفق مع معاوية على وقف الحرب واقتسام الحكم، لأن هذا في نظرهم طلب سلطة دنيوية ولا يعيد الناس لحكم الله. فما كان من علي إلا أن لاحقهم وأعمل فيهم السيف، وأطلق عليهم مسمى (الخوارج). وهو مسمى يوحي بأنهم خرجوا عن الدين، ويوحي بأن ما يقوم به علي هو الدين. والخوارج اصطلاح مماثل للإرهاب أو للفئة الضالة في عصرنا. وإن كان من سماهم علي بالخوارج كما قيل عنهم - من أنهم حفظة لكتاب الله وعاونوا عليا في حربه ضد معاوية سعيا لإعادة الناس إلى حكم الله - فإنهم لم يخرجوا على الدين وإن سماهم علياً بالخوارج، بل إن عليا هو من رضي بحكم دنيوي وخرج عما كان الوضع عليه زمن الرسول.
ولعل ما يقوي كون من سماهم علياً (الخوارج) أنهم مطالبين بالعودة لدين الله، هو أن الأمويين – أعداء علي – حاربوهم كما حاربهم عليا. واتفاق علي ومنافسوه (الأمويون) على حربهم يعني أن ما تعتقد تلك الفئة وما تطالب به، مخالف لما يريده عليٌ والأمويون. والأمويون لم يؤمنوا بالإسلام، فمعاوية وأبو سفيان والده لم يعلنا الإسلام إلا بعد أن استسلمت مكة. والله يؤكد في كتابه أن من لا يؤمن بالدعوة بداية سماعه بها لن يؤمن ابدا مهما دعي، ولو زعم بعد ذلك بأنه أسلم.
وطوال فترة بني أمية ظهر كثيرون يطالبون بالعودة لحكم الله ولكن أصواتهم أسكتت وقتل كثير منهم تحت مسمى الزندقة، وشوهت معتقداتهم واتهموا بأقذع تهم الكفر. وهناك حديث يتداوله الناس على أنه دليل على أن للإسلام أركان خمسة ولا يتوقفون عند مقدمة الحديث التي تهمنا، وهي:
حَدَّثنا أَبُو عَمَّارِ الْحُسَيْنُ بنُ حُرَيْثٍ الْخُزَاعِيُّ ، أخبرنا وَكِيعٌ عن كَهْمَسِ بنِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ ، عن يَحْيَى بنِ يَعْمُرَ ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي القَدَرِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ قالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيِريُّ حَتَّى أَتَيْنَا المَدِينَةَ، فَقُلْنَا لَوْ لَقِينَا رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النبيِّ فَسَأَلنَاهُ عَمَّا أَحْدَثَ هَؤلاَءِ القَوْمُ قال فَلَقِينَاهُ، يَعْنِي عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ المَسْجِدِ، قال فَاكْتَنَفَتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي قال فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الكَلاَمَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرحمنِ، إِنَّ قَوْماً يَقْرأُونَ القُرْآنَ وَيَتَقَفَّرُونَ العِلْمَ، وَيَزْعُمُونَ أَنْ لا قَدَرَ، وَأَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ قَالَ: فَإِذَا لَقَيْتَ أُولَئِكَ فَاخْبِرْهُمْ أَنِّي مِنْهُمْ بَرِيءٌ، وَأَنَّهُمْ مِنِّي بُرَآء. وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ الله لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً مَا قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ حَتَى يُؤمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِهِ.
وباقي الحديث عن الأشعث الأغبر الذي سأل الرسول وأجابه الرسول ولن نورده لأنه لا علاقة له بموضوعنا.
وما يهمنا هو قول راوي الحديث (يحيى ابن يعمر) أن معبد الجهني "تكلم بالقدر" أي نفى أن يكون هناك قضاء وقدر بمعناها السائد وقال إن الإنسان هو من يصنع مصيره بكل حرية، وهذا ما يقوله القرآن. وقد أنكر عليه قوله هذا وتم إيراد الحديث الذي يقول إن أركان الإسلام خمسة منها الإيمان بالقدر كرد عليه.
وهذا يشير إلى أن العودة للقرآن أصبحت تخالف ما كان عليه الناس وانتشر بينهم منذ ذلك العصر المتقدم (القرن الهجري الأول). ومعبد الجهني قال عنه أشهر رجال الجرح والتعديل أبو حاتم: "إنه صدوق في الحديث". ويقول عنه صاحب سير أعلام البلاء: "وكان مجتهدا في الدين ومعروفا بالأمانة والصدق"...
لكن كل هذا لم يشفع له، حيث شنت عليه حربٌ شعواء، لأنه قال بأن الإنسان مخير، ووصف بالضال. ويقول صاحب سير أعلام النبلاء إن الحجاج عذبه كثيرا وقد يكون قتله، أو أن عبد الملك ابن مروان صلبه عام (80 هـ).
لأن نفي القدر بمعناها السائد سيلغي فكرة أن قريشاً حكمت لأن الله قدر لها أن تحكم، وأنه ليس لهم حق بحكم الناس. كما ينفي حق من يسمون بأئمة الشيعة بالحكم. ولمثل هذا قام هشام ابن عبد الملك بصلب غيلان الدمشقي (106 هـ) لأنه ممن يقول بأن الإنسان مخير وهو يصنع أفعاله، وأن قريشا ليس لها حق إلهي في الحكم وأن الدولة يمكن أن يكون رأسها كل من يتوفر فيه شروط المنصب وهذا يخالف ما روج له بني أمية كما أنه يخالف معتقد الشيعة الذين يرون أن الحكم يكون في أئمتهم.
كما أن خالد ابن عبد الله القسري والي بني أمية على الكوفة ضحى بالجعد ابن درهم (105 هـ) في المسجد يوم عيد الأضحى لأنه ينفي التشبيه عن الله، ونفي التشبيه يتفق مع القرآن.
وكذلك الجهم ابن صفوان (128 هـ) الذي كان يقول بتنزيه الله ونفي التشبيه عنه سبحانه وأنه لا يمكن رؤيته لا في الدنيا ولا في الآخرة.
فأصبح الجهم ضال مضل بينما أصبح مقاتل ابن سليمان مفسراً مشهوراً للقرآن، لأن مقاتل – الذي عاصر الجهم - يقول بأن كل شيء مقدر وأن الحكم قدره الله لبني أمية.
وكل الدول المذهبية على مر تاريخ المسلمين كان حكامها يضطهدون كل من ينتقد معتقداتهم ويقتلونهم، تماماً كما فعل الحكام الذين اعتمدوا المذاهب السنية.
الخلاصة: أن إلصاق التهم بمن خالف سياسة الحاكم لا يعني أنها صحيحة، وكذلك كل ما قيل عن معتقداتهم. بل قد يكون الحاكم نفسه هو من يسير على الطريق الأعوج. لذا تمت محاربة كل من ينتقد أو يخالف سياسة الحكام والقضاء على حركاتهم وتشويه معتقداتهم تحت مسمى الخروج عن الدين، وهذا لا ينفي احتمال أن يكون أتباع أولئك الرجال قد ضلوا من بعدهم.
ولم يبق إلا المعتقدات التي يرضاها الحاكم القرشي، أو حكام آخرين معادين للحكم القرشي ويريدون أن يؤسسوا أو أنهم أسسوا حكما خاصا بهم مستغلين اسم الدين بتبني مذهبا مخالفا لمذهب حكومة قريش. وبكل تأكيد فلن يكون هذا المعتقد متفق مع القرآن، لأنه لو اتفق مع القرآن لما بقي الحاكم في الحكم ، سواء كان أموياً أو عباسياً أو فاطمياً أو إثناعشرياً أو إباضياً أو معتزلياً أو غيرهم.
وعليه فيمكن القول إنه لم يعد القرآن مصدر تشريع لوحده منذ تولت قريش حكم دولة المسلمين (الأمويون والعباسيون) وأصبح الحاكم مشرعا، ورجال الدين مشرعين.
ثم جاء الشافعي (المولود عام 150 والمتوفى عام 204 للهجرة) وهو أول من قال بأن الأحاديث تعتبر المصدر الثاني للتشريع ومع الأيام أصبح هناك عدة مصادر للتشريع منها: القياس والإجماع والعرف وسد الذرائع والمصلحة المرسلة وحكم الحاكم واجتهاد القاضي وغيرها. ويضاف لها عند الشيعة أقوال أئمتهم، وما يظنونه من العقل.
ورسخ هذا وبني عليه فقه يملأ المحيطات ولم يعد الناس يتصورون أن دين الله لا يقوم إلا على كلامه سبحانه لوحده لا شريك له.
ويكون الاحتكام لغير القرآن هو الدخيل والمستجد في الدين ولم يعرفه الرسول ولا أصحابه الثلاثة من بعده، ولكنه بدأ بالظهور مع بداية نشأة المعتقدات المختلفة التي تحولت لمذاهب في عصر الظلمات والفتن الذي تلى فترة الفتوح الأولى. وللأسف هو ما رسخ بيننا وأصبح ينظر له على أنه هو الدين الصحيح، والعودة للقرآن وحده هو الضلال.
****
ولابد أن أكمل وأقول: إن المذاهب والفرق تناحرت فيما بينها واتهم كل أتباع مذهب أتباع المذاهب الأخرى بالهرطقة والكفر. بل إن أتباع المذهب الواحد اختلفوا وتفرقوا إلى فرق، كل فرقة تتهم الأخرى بالخطأ. ودفنت مذاهب وفرق كثيرة مع اتباعها، ولم يبق إلا مذاهب قليلة، وبقاءها ليس لأنها على صواب ولكن لأن الحكام استخدموها كمطايا لحكمهم وتبنوها. وتبقى حقيقة أن المذاهب كلها تقوم على الأحاديث وتأويل القرآن لما يتناسب مع ما تعتقد، وهذا لا ينفي أن كل مذهب بقي لديه شيء من دين الله الحق، إلا أن هذه البقايا فسدت بخلطها مع الكثير مما ليس في كتاب الله.
والسلام
ابن قرناس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق