الجمعة، 19 مايو 2017

حياة الرسول

كيف كان يتدبر الرسول الكريم أمر معيشته؟ 
_________________________________

أرسل الاخ مازن يقول: 

عندي سؤال من زمان وماقدرت اصل لجواب له (ممن سألتهم..)

كتب السير تتحدث عن الرسول محمد أنه كان يرعى الغنم في صغره، ثم تقول تلك الكتب إنه كان يشرف على تجارة السيدة خديجة وبعد ذلك نزل عليه الوحي

وفي مواضع أخرى تقول كتب السير إنه كان فقيرا، يمر الهلال والهلالين ولا يوقد في بيته نار، وكان يدخل فيسأل ازواجه هل من طعام فلا يجد فيقول اللهم اني صائم. 

فاذا كان هو لا يعمل فهل كان يعتمد على زوجاته؟ وهل كن يشتغلن ويصرفن عليه؟

ولم أجد من يتطرق للحديث عن أي وظيفة 'مصدر دخل ' للرسول.

يعني هل الرسول بعد نزول الوحي عليه ما اشتغل بشيء غير الدعوة؟

من وين كان يقتات!؟ 

هل كان يعتمد على الهدايا؟ في حين أن كتب التراث فهمتنا أنه لا تحل له الصدقة؟ 

كتب التراث أخبرتنا أنه قال للرجال الذين دخلوا عليه وقالوا له إن صاحبهم لا يعمل لتفرغه للعبادة بينما نحن نعمل ونتعبد بقدر المستطاع. فقال لهم الرسول: أنتم خير منه. فكيف يمتدح العمل ولا يعمل هو بنفسه؟

ثم هل لو كان الرسول متفرغ للدعوة والتعبد ولا شأن له بالدنيا فهل نحن مأمورون بأن نقتدي به؟ 

يعني نكون مثل الرهبان، ننذر حياتنا للعبادة والدير فقط!!

وانتظر الاجابة..

انتهت رسالة الأخ مازن ..
___________________________

التعليق 

كل ما قيل عن حياة رسول الله الشخصية إما كذب وادعاء أو مشوه ولم تنقل لنا كتب التراث حقيقة حياة الرسول الشخصية كما حدثت. وهذا يعود إلى عدة أسباب، منها:

أن كتب التراث وثقت ما كان يردده الناس فيما بينهم عند تأليف المؤلف لكتابه.. سواء كان الكتاب عن الحديث كالبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه غيرهم. أو كان الكتاب عن السير والتاريخ كسيرة ابن هشام وتاريخ الطبري أو كان الكتاب عن التفسير كالطبري والقرطبي وابن كثير وغيرهم. 

وليس هناك خبر واحد عن عصر الرسول سمعه المؤلف من شاهد عيان. 

والقصص المتداول عن عصر الرسول كان يعكس ما يريد الراوي والقاص ومختلق القصة قوله عن ذلك العصر ولا ينقل ما حدث بالفعل. 

وهنا تتدخل المشاعر والأهواء في صياغة القصة واختلاقها وتحوير الحقائق. فمن يريد أن يمتدح شيئا يختلق قصة تقول إن الرسول قام به ومن يريد أن يذم شيئا يختلق قصة تقول إن الرسول ذمه.. وهكذا. فالرسول في كتب التراث هو عدة صور متناقضة لأنمن صوره لنا أناس تختلف غاياتهم ومعتقداتهم، وكل واحد منه قدم صورة للرسول كما يريدها هو، فكانت النتيجة صور متناقضة لشخص الرسول لا يمكن أن تجتمع في شخص واحد. 

ولكي نتعرف على ما كان عليه الرسول حقيقة ودون مبالغة أو تزييف سنأتي على كل تساؤل وضعه الأخ مازن ونرى هل هناك ما يؤيده من منطق وواقع وهل يقول به القرن أم لا. فإن كان له ما يؤيده على أرض الواقع والمنطق أو كان له أصل في القرآن فيمكن القول إن الرسول كان كما قيل عنه وإلا فهو من القصص المختلق: 

1- هل رعى الرسول الغنم؟

وإحدى روايات الخبر تقول: حدثنا أحمد بن محمد المكي حدثنا عمرو بن يحيى عن جده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم فقال أصحابه وأنت فقال نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة. 

وأهل مكة لم يكونوا يتعاملون بالقيراط قبل الإسلام. 

كما أن محمداً قرشي صميم وجده عبد المطلب الذي كانت له سقاية الحجاج.. وكل قرشي فهو نبيل في ذلك العصر. فهل يعقل أن يرعى حفيد عبد المطلب الغنم؟... وهي مهنة وضيعة عند العرب حينها لا يقوم بها إلا العبيد والموالي . 

ومكة كل الأعمال الخدمية فيها يقوم بها مواليها وعبيدها بما في ذلك رعي الماشية والصناعة والنجارة وكل الأعمال الحرفية الأخرى وضيعها وجيدها. ولا يمكن أن يقوم بها ولد ينتسب لقريش لأن فيه عار على ذويه وليس فقط على الصبي. 

الخلاصة: الرسول لم يرع الغنم، لا بقراريط ولا بالمجان.

__________________________-

2- هل كانت خديجة بنت خويلد تاجرة ولها أموال تسير بها القوافل للشام؟

خديجة بنت خويلد ابن أسد أبن عبد العزى ابن قصي امرأة قرشية، كغيرها من نساء قريش، ويسري عليها ما كان يسري على النساء غيرها في مجتمعها. 

فهل كان ذلك المجتمع يسمح للمرأة بالتملك؟

وهل كان لها حق التجارة ومزاحمة الرجال؟

لو كان للنساء حق امتلاك المال والمتاجرة لكان هناك أكثر من امرأة قرشية اشتهرت بهذا. وكتب السير لم تذكر أن امرأة واحدة غير (خديجة) قد مارست التجارة أو كانت تملك المال ولها حق التصرف فيه. 

لقد كان المجتمع المكي ذكورياً بكل معنى كلمة "ذكوري" التي انتشر استخدامها حديثاً، بل إن كتب التراث ذكرت أن المرأة كانت تورث ضمن تركة الميت، وكان الإبن يرث زوجة أبيه ويعاشرها بعده معاشرة الأزواج. وهو ما أشار له القرآن في قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً(النساء:22). 

ولو كانت المرأة لها حق التملك والتجارة لتملكت وتاجرت أشهر امرأة قرشية ذكرتها كتب التراث، لأنها أم لأول ملك قرشي على دولة المسلمين (معاوية ابن أبي سفيان) وهي هند بنت عتبة.

الخلاصة: خديجة بنت خويلد لم تكن تملك المال ولم تكن تاجرة ولم يذهب الرسول بتجارتها للشام. وقد نسب لها ذلك لكي يقال إن الرسول قد ذهب للشام (البلد المسيحي) قبل الهجرة وتعلم الدين من الرهبان المسيحيين، ثم أعاد صياغته كدين جديد سماه الإسلام. 

__________________-

3- هل كان الرسول فقيرا لا يجد قوت يومه؟ ومن أين يقتات؟ وهل كانت زوجاته يعملن ويصرفن عليه؟

كل رجال قريش كان ينظر لهم في جزيرة العرب على أنهم نبلاء وأهل بيت الله وأصحاب أموال وجاه. ومحمد من الفرع الهاشمي القرشي وجده عبد المطلب من أشهر رجال قريش، وأبناؤه (أعمام محمد) كانوا كغيرهم من رجال قريش يملكون المال والشرف. وإن كان عبد الله ابن عبد المطلب قد توفي وابنه الوحيد "محمد" صغيراً، فقد نشأ في حضانة جده كأي طفل قرشي تتوفر له كل احتياجاته المادية. 

فهو في صغره لم يعرف الفقر كغيره من أولاد قريش، وحتى بعد وفاة جده عبد المطلب فقد كان له أعمام كثر قاموا على رعايته، إضافة إلى أنه لابد أن يكون ورث من جده. 

ولما أصبح شاباً يافعا، وتزوج من خديجة قد يكون واجه بعض المتاعب المالية في البداية لأنه أصبح مسئولا عن إعالة خديجة زوجته وبناتها الأربع وابنها أو ابنيها من زوجها السابق. لكن الضائقة انفرجت بسبب دعم أعمامه على ما يبدوا.

والقرآن يشير إلى هذه الأطوار التي مر بها في حياته: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) الضحى.

وسورة الضحى مكية وهي تقول إنه كان يتيماً فآواه الله، أي يسر له المأوى من أقاربه، ومن جده عبد المطلب (كما تقول كتب السير).

وكان ضالا قبل البعثة كغيره من رجال قريش فهداه الله.

وكان عائلاً (يعول عائلة مكونة من زوجته وبناتها وابنيها) وهذه الفترة في بداية زواجه، ثم أغناه الله بأن يسر له العون من أقاربه. 

وطوال بقائه في مكة لم يكن فقيراً، لأنه ليس هناك رجل قرشي فقير أبداً، لكنه لم يكن غني. بل كان ينقصه الكثير من متع الدنيا التي يتمتع بها رجال قريش، وهو ما أشار له القرآن في عدة سور منها: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً{28} الكهف.

تعود سورة الكهف للحديث مرة أخرى عما تهفو نفس الرسول له كبشر: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً {46}الكهف.

وبعد الهجرة 

مسجده وحجرته بناه له المسلمون قبل وصوله ليثرب. وفيما بعد فرض له القرآن نصيب من الإنفاق كنصيب المسكين وابن السبيل ولك محتاج، لأن الإسلام يضمن لكل محتاج أن تقضى حاجته ويوفر له سبل العيش الكريم دون مقابل بواسطة الإنفاق أو الغنائم في الحرب. 

وهذا ما أكده القرآن، فالغنائم توزع على المحتاجين في المجتمع وتسد حاجة الدولة: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41) الأنفال.

الخمس لله أي لدولة المسلمين التي تدافع عن بقاء دين الله.

وبقية الغنائم توزع بالتساوي بين المحتاجين في دولة المسلمين حينها، وهم من ذكرتهم الآية.

والرسول كان من ضمن هؤلاء المحتاجين كما تقول سورة الحشر: مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) الحشر.

فالفيء يكون لله (الخمس كما ذكرت سورة الأنفال) والأربعة أخماس الباقية توزع على المحتاجين وفي مقدمتهم الرسول.. وذلك: "كي لا يكون دولة بين الأغنياء" أي كي لا يكون تحت رحمة الأغنياء وبحاج لعطاءاتهم. 

وإن كان للرسول نصيب من الفيء فهو محتاج، والمحتاج توفر له دولة المسلمين سد حاجاته بواسطة الإنفاق أو الصدقات كما يسميه القرآن أحياناً: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) براءة.

ويكون الرسول في المدينة قد سدت حاجياته بواسطة الإنفاق (الصدقات) مثله مثل كل محتاج ومثل من يقوم على جمع الصدقات (العاملين عليها).

ويكون كلام كتب التراث من أن الرسول لا يقبل الصدقات لا قيمة له. مع إعادة التأكيد عل أن الصدقات في القرآن لا تأتي بمعناها الشائع اليوم بيننا والتي تعني إعطاء المحتاج فضلة من المال القليل أو الطعام لا يسد حاجته ولكنه يعرضه للمهانة. فهذا المعنى للصدقات لا وجود له في الإسلام ولكنه وجد بعدما نسي المسلمون الإنفاق واستبدلوه بما أسموه بالزكاة التي تنص على دفع 2.5% من المال فقط. والتفضل على الشحاذين بما تجود به أنفسهم من نقود قليلة أو طعام يسير. 

فالصدقات في القرآن واجب على الغني وحق للمحتاج لا منة فيه. (اقرأ كتاب: رسالة في الشورى والإنفاق).

والرسول عليه الصلاة والسلام كان له ثلاث زوجات في المدينة عائشة بشكل مؤكد واثنتان أخريان لعلهما حفصة بنت عمر وأم سلمة. وبما أن عائشة وحفصة ابنتي رجلين من قريش فإن احتمال تلقيهما هبات وارد. وهو ما سيعين في تذليل صعوبة الحياة في بيوت الرسول. لكن زوجاته لم يكن يعملن. 

ويكون كلام كتب التراث أن الرسول لا يقبل الصدقة غير دقيق. فكتب التراث تعني بالصدقة تلك الهبات القليلة التي تذل من تعطى إليه ولا تسد حاجته، وهي المنتشرة بيننا اليوم، وهي ليست من الدين. 

بينما الرسول كان يقبل الصدقات بمفهومها القرآني الذي يعني (الأنفاق)، لأن الإنفاق واجب على القادر مالياً لسد حاجة المحتاج. 

4- هل كان الرسول متفرغ للدعوة والعبادة ولا شأن له بالدنيا؟ 

الرسول بكل تأكيد كان متفرغاً للدعوة، ولكنه لم يكن متفرغا للعبادة.

والعبادة التي يشير إليها الأخ مازن هي أن يقضي كل ما يملك من وقت في الصلاة والصوم وقراءة القرآن. وهذا النوع من العبادة لا وجود له في الإسلام، ولكنه حياة رهبان. 

والرسول عليه الصلاة والسلام وكل مسلم مطلوب منه خمس صلوات فقط في اليوم والليلة، وصم رمضان فقط وحج. وليس هناك أي عيادات إضافية أبدا. 

والصلاة في أوقاتها الخمسة لا تأخذ من وقت الرسول واي مسلم سوى دقائق معدودات. وبقية الوقت يقضيه الرسول بين الناس. وفي مكة كان كل ذلك الوقت يقضيه الرسول بالدعوة، أما بعد الهجرة فقد قلت الدعوة وكثرت الأعمال الأخرى. فقد واجه المسلمون حروب قريش العدائية وهذا يحتاج لتجهيز الجيوش والقتال. وبما أنه أصبح للمسلمين دولة فقد كانت أعمال الدولة تشغل الرسول طوال الوقت. لذا فرض له نصيب من الإنفاق ومن الأنفال مثلما فرض نصيب لمن تفرغ لجمع الإنفاق (الصدقات) لأنه لم يعد له عمل آخر يفتات منه. فالرسول كان موظفاً في دولة المسلمين، بوظيفة مدير الدولة، ويتقاضى مقابل هذه الوظيفة التي تشغل جل وقته مقابل مادي تمثل بنصيب من الإنفاق والأنفال. أما بقية المسلمين فيجب عليهم أداء العبادات (من صلاة وصوم وحج) وكل الأعمال الصالحة الأخرى بجانب أداء أعمالهم والحرص على تأمين معيشتهم، ولا وجود للرهبانية في الإسلام

#ابن_قرناس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق