كل الجدل الذي عرفته حول حجية الحديث الشفهي المنسوب للرسول يأخذ منحى واحداً وإن اختلفت البدايات والمواضيع.
كل من قابلني يبدأ الواحد منهم الجدال وقد نصب نفسه على أنه يمثل الجانب الصواب . ولذلك فهو مقتنع أنه إنما يتحدث مع المخالف ليرد عليه، وليس من أجل نقاشه أو حواره.
فهو يرد باطلٌ ، ويرد شبهة.
هو يدخل الجدال في مهمة واضحة - بالنسبة له - لا تقبل غير مسار واحد، يتمثل بأن يُسْمِع المخالف ما حفظه من كتب السلف، وعلى المخالف أن يقتنع وإلا...
وهو بهذا يضمن أنه ليس عليه أن يصغي أو يفكر بما يقوله له المخالف، فكل ما يقول محكوم عليه سلفاً بأنه خروج عن الدين، ومهمة الشيخ هو محاولة إعادة هذا المارق لجادة الصواب.
لذا ترى الواحد منهم يعاود الاستشهاد بجزء من الآية أو الاية التي اقتلعها من سياقها مرة أخرى وكأنه لم يسمع خطأ استشهاده.
وإذا كررت عليه خطأ استشهاده توجه مباشرةللتهجم.
ولعل أقل تهجم سمعته هو أني أكفر بالسنة، إذاً أنا كافر بالإسلام.
هم يستخدمون لفظ "السنة" عمداً ويقصدون به الحديث الشفهي المنسوب للرسول.
لأن السنة تعني الطريقة والمنهج.
بينما الحديث يعني الكلام والحكايات.
وهناك فرق شاسع بين المعنيين.
لكن لن يكفر أحد لو كذب بهذا الحديث الذي يقول:
حدّثنا قُتَيبةُ قال: حدَّثَنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ عن سُليمانَالتَّيْميِّ عن أبي عثمانَ النَّهْديِّ عنِ ابن مسعودٍ «أَنَّ رجُلاً أصابَ مِن امرأةٍ قُبلةً، فأتىٰ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأخبرَهُ، فأنزلَ اللهُ: {أَقِمِ الصلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفاً منَ الليلِ، إِنَّ الحسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ} (هود: 114) فقال الرجُلُ: يا رسولَ اللهِ، أَلِي هٰذا؟ قال: لجميعِأُمَّتي كلِّهم» رواه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة
لأن الله نهانا عن كل ما يقرب من الزنى:
{وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً } بني إسرائيل 32
مشكلتنا مع "الحديث" وهو الكلام المتناقل شفهياًوالمنسوب للرسول.
هنا نقول:
تعالوا إلى كلمة سواء بيننا ألا نعبد إلا الله.
فلو أخذنا بحديث منسوب للرسول وبنينا عليه تشريع وأدخلناه في الدين فنحن قد أشركنا محمد مع الله في دين الله. (هذا على افتراض أن كتب الحديث تحوي كلام الرسول بالفعل وليس كلاما مكذوباً عليه)
والله ينفي أن يكون محمد أكثر من بشر رسول ليس له من أمر الدين شيء سوى تبليغ الرسالة للناس.
وكل من يريد أن أذكره بعشرات الآيات الدالة على ذلك فأنا مستعد.
كل من تحدثت معه منهم يعرفون أن الحديث ظني الثبوت.
بمعنى أنه يجوز أن يكون الرسول لم يقله.
وكل من درس علم الحديث يعرف هذه الحقيقة، لكنهم لا يذكرون بها الأتباع.
ودين الله لا يقوم على الظن، ولكن على اليقين.
وقريش كانوا يعبدون الأصنام بناءً على الظن الذي توارثوه من سلفهم: إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَى{27} وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً{28} النجم.
فالظن لا يغني عن الحق شيئاً.
كل ما نطلبه هو الحوار.
والبداية بإيراد آية واحدة فقط من كتاب الله بسياقها تشير ولو إشارة للأخذ بكلام رسول الله كجزء من دين الله.
وأنا أقول لا يوجد.
وأقول يستحيل أن يتمكن أحد من العثور على آيةواحدة.
والسبب أنه لم يكن هناك حديث (بالمعنى المعروف حالياً) زمن رسول الله.
وسأضيف هنا بعض الحقائق حول ما يسمى بالحديث وعليهم تكذيبي بدليل وتعليل دون صراخ وعويل:
* القرآن يخلوا من ذكر ما يعرف بالحديث. ولو كانالحديث من دين الله لذكره كتاب الله.
* الحديث لم يسمه الله – كما سمى القرآن – ولكن الناس سموه.
* الحديث يخالف القرآن، .
* الحديث لم يسمع به الناس في عصر رسول الله.
* الحديث لم يكتب إلا بأمر سياسي، ولولا الحكام القرشيين لما كان لدينا حديث اليوم. وأول سياسي أمر بكتابة الحديث هو الخليفة الأموي عمر ابن عبد العزيز الذي كلف أبوبكر ابن حزم الأنصاري (ت 120هـ) بكتابة الحديث لكن الخليفة مات قبل أن يشرع ابن حزم بالكتابة فتأخر تدوين الحديث الرسمي إلى أن جاء سياسي قرشي آخر هو المنصور العباسي (ت 157هـ) وأمر مالك ابن أنس (ت 179 هـ) فألف ما سماه بالموطأ.
* الحديث جمع مما يتناقله الناس على شكل حكايات وقصص شفهية.
* الحديث تناقله الناس أولاً ثم أضيف له ما عرف بالسند فيما بعد (سلسلة الرواة). فلم يكن الناس يقولون قال فلان عن فلان ... عن رسول الله. ولكنهم كانوا يقولون: قال رسول الله.
* ما يعرف بالجرح والتعديل وضع بعد أن ألفت كتب الحديث المشهورة، وأول كتاب في الجرح والتعديلوأشهرها ألفه ابن أبي حاتم الرازي (ت 327 هـ).
* والجرح والتعديل لمن لا يعرفه يعنى بتقويم وتقييم رجال السند. وإذا كان البخاري مثلاً يثق بمن سمع منهالحديث، فهو لا يستطيع أن يحكم على الراوي الثالث والرابع في سلسلة رواة الحديث إذا كانت تتألف من تسعة أو عشرة لأنهم ماتوا قبل عصر البخاري بمئة ومئة وخمسين سنة وأكثر.
فالجرح والتعديل علم شكليات لا يغني شيئاً، ولا يحول الحديث إلى يقيني الثبوت.
بل إن علم الجرح والتعديل لم يكن كافياً لأهل الحديث في هذا العصر فخرج من حاول أن يصحح الأحاديث في هذا العصر وبعد مضي 1200 سنة على موتالبخاري، مثل الألباني.
ومن الحقائق حول الحديث أيضاً ما يلي:
* الحديث كلما تقادم الزمن وابتعد الناس عن زمن رسول الله زادت الأحاديث وكثرت، لأن الناس تختلق قصصاً جديدة.(البداية مع بضع مئات في الموطأ، زادت لبضع آلاف في البخاري ومسلم ثم تزايدت في الكتب التالية.
وهو ما ينطبق على كتب الحديث، فالبداية كان هناك كتاب واحد للحديث هو الموطأ، والذي استمر لمدة زادت عن خمسين سنة وهو كتاب الحديث الرسمي الوحيد قبل أن يخرج البخاري ويؤلف كتابه.
ثم أصبح هناك صحيحين فقط للحديث هما كتابي البخاري ومسلم. وبعد فترة من الزمن تم اعتبار أربعةكتب أخرى صحيحة فصار هناك كتب صحاح ستة. ثم أصبحت الصحاح تسعة. ثم أصبح كل كتاب فيالحديث يعتبر صحيحاً، ويؤخذ منه أحاديث يستدل بها في دين الله، ولو كان بمستوى مصباح الزجاجة ومجمع الزوائد ومسند اسحاق ابن راهويه والترغيب والترهيب واللؤلؤ والمرجان وصحيفة همام ابن منبه.....
فلا عجب أن يصل عدد الروايات المنسوبة للرسول حوالي مليون رواية. يمكن لأي رجل دين أن يستشهد بأي منها في مسألة من دين الله.
مع أن الدين لله وحده ولا يمثله سوى كلامه سبحانه وحده، وما محمد إلا رسول.
وفيما يلي دليل على قولي أنه كلما تقادم الزمن وبعُد عن عصر الرسول، كلما ظهرت أحاديث تتحدث عن مواضيع جديدة في كتب الحديث اللاحقة لم تكن موجودة في الكتب السابقة. فقد ورد في الموطأ عن صيام ست من شوال: قَالَ يَحْيَى: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ فِي صِيَامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ إنَّهُ لَمْ يَرَ أَحَداً مِن أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ يَصُومُهَا وَلَمْ يَبْلُغْنِي ذلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ وَإنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ ذلِكَ وَيَخَافُونَ بِدْعَتَهُ وَأَنْ يُلْحِقَ بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ مِنْهُ أَهْلُ الْجَهَالَةِ وَالْجَفَاءِ لَوْ رَأَوْا فِي ذلِكَ رُخْصَةً عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَرَأَوْهُمْ يَعْمَلُونَ ذلِكَ.(الموطأ: 693)
ولكن هذه البدعة أصبحت في عصور لاحقة من أكثر القرب إلى الله وصيامها مع رمضان يعدل صيام الدهر كله في كتاب مسلم: حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. جَمِيعاً عَنْ إِسْمَاعِيلَ. قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ. أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابِتِ بْنِ الْحَارِثِ الْخَزْرَجِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللّهُ عنه أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتّاً مِنْ شَوَّالٍ. كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ.(مسلم: 2711).
فالبدعة المنكرة في زمن مالك ابن أنس، تحولت في كتاب مسلم إلى فضيلة من الفضائل الدينية.
المشكلة ليست مع تابعي المذاهب مثل "آمين" الذين مبلغ علمهم هو أن يضع بينه وبين النار مطوع.
المشكلة مع من يقود الناس للتمسك بالموروث.
ولو عاد لهم رسولهم الذي أرسل في أجدادهم، وطلبمنهم العودة للحق ونبذ التشريعات الدخيلة لكفروه.
لأن الدين الجديد أصبح وثيق الصلة بمصالح الناس.
والإسلام مر به ما مر بغيره من الديانات، وبدأ التحول عنه منذ وفاة رسول الله.
والوسيلة التي استخدموها في تبني التشريعاتالدخيلة كانت ما عرف بالحديث. لأن القرآن بقي حياً بين الناس، ولم يتمكنوا من التلاعب بنصوصه، فبدأ اختلاق الأحاديث ونسبتها للرسول.
هذه الأحاديث أصبحت الأساس في ولادة التفسير والتاريخ وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ والفقه (الذي يعتمد غير القرآن) وغيرها.
وبهذه الطريقة ابتعد الناس عن الدين تحت شعارالتمسك بالدين.
وأصبح الحديث وما تفرع منه مما عرف بعلوم الدين هي أساس دين الله بينما أصبح القرآن للتلاوة فقط في المناسبات.
ومع أن حفظة القرآن تكاثروا إلا أنهم يرددون نصوصه ويفهمونها كما ورثناها من كتب التفسير وليس كما نزلت على محمد.
بل إن الجرأة على كتاب الله وصلت بالسلف أن يقولوا:
أن القرآن بحاجة للحديث أكثر من حاجة الحديث للقرآن.
وقالوا:
أن الحديث ينسخ القرآن، بينما لا يستطيع القرآن نسخ الحديث.
لذا وجد لدينا تعزير، وهو حكم ظالم لا أساس له في كتاب الله ولا دينه، يعطي الناس الحق بقتل من يشاؤون ولو لم يكن يستحق القتل في دين الله باسم التعزير.
ووجد لدينا رجم الزاني، برغم أن كتاب الله ينص بكل وضوح على جلده.
وبطبيعة الحال التعزير ورجم الزاني تطبق بحق الضعيف. أما القوي فهو من يزني ويمشي طليقا دون أن يطاله رجم أو جلد.
ولم يعد كلام الله يهز المشاعر ويوقظ الضمائر، وأعرض الناس عن حكم الله لحكم الناس كما فعل اليهود: الذين قال الله فيهم:
{إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }المائدة44
والحديث عن مصائب الحديث تطول.
والمختصر المفيد هو:
أنه لا وجود لذكر الحديث في كتاب الله، وعلى كل من يدعي خلاف ذلك أن يقدم البينة.
ولن يتمكن أحد مهما طال الزمن من إثبات عكس ما أقول.
والسلام
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق