الخميس، 16 فبراير 2017

زمزم

مكة عبارة عن واد حجري قاحل تحيط به جبال قليلة الارتفاع وجرداء، وكانت كذلك منذ وجدت وقبل عصر إبراهيم وهو ما يشير له دعاء إبراهيم بعدما هرم وشعر بدنو أجله: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) إبراهيم

ولأن مكة بلد جاف فقد كان أهلها يعتمدون في سقياهم على حفر الآبار أو جلب الماء من عيون خارجها. وقبل الإسلام كان في مكة بئر أو أكثر لكل بطن من بطون قريش (حسبما تقول كتب التاريخ)، ولم يكن هناك زمزم من بينها،، ومن هذه الآبار: الطوى لعبد شمس، وبذر لهاشم، وسجلة للمطعم ابن عدي، والحفر لأمية ابن عبد شمس، سقية لأسد بن عبد العزى، أم حراد لعبد الدار، السنبلة لبني جمح، الغمر لبني سهم. وآبار غيرها

وفي فترة من فترات التاريخ كانت سقاية الحجاج على قصي، وكان يسقي في حياض من أدم وينقل الماء إليها من آبار خارج مكة، منها: بئر ميمون الحضرمي، ثم احتفر قصي بئر العجول في دار أم هانئ بنت أبي طالب، وهي أول سقاية احتفرت بمكة، ولم يكن لزمزم وجود..

والعباس ابن عبد المطلب هو جد الخلفاء العباسيين، والعباسيون هم من كتب التاريخ الذي وصلنا. ويقولون في تاريخهم هذا أن جدهم العباس تولى سقاية الحاج بعد أبيه عبد المطلب الذي حفر زمزم، وأوردوا لذلك قصصا خرافيا، مثل قولهم على لسان عبد المطلب: إني لنائم في الحجر، إذ أتاني آت فقال لي: احفر طيبة. قال: قلت وما طيبة؟ قال ثم ذهب عني. قال فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فجاءني فقال: احفر برة. قال: قلت وما برة؟ قال ثم ذهب عني. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت، فجاءني فقال: احفر المضنونة. قال: قلت وما المضنونة؟ قال ثم ذهب عني. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني قال: احفر زمزم. قال: قلت وما زمزم؟

قال: لا تنزف أبدا ولا تزم، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل. قال: فلما بين لي شأنها، ودل على موضعها، وعرف أنه قد صدق، غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب، وليس له يومئذ ولد غيره، فحفر، فلما بدا لعبد المطلب الطمي كبَّر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته. (البداية والنهاية

وهذه القصة تدل على أن من حفر زمزم هو عبد المطلب وبشهادة العباسيين ولا يهمنا صياغتها بهذه الصياغة الخرافية المضحكة

ولن يصعب على العباسيين أن يختلقوا أحاديثا تقدس زمزم، فقد اختلقوا أحاديثا تمتدح خليفتهم السفاح بالاسم، ومن ذلك ما أورده أحمد ابن حنبل في مسنده: حدّثنا عبد الله ، حدَّثني أبي، حدثنا عثمان ، وسمعته أنا من عثمان ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «يخرج عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن رجل يقال له السفاح ، فيكون اعطاؤه المال حثياً».

وأثناء استقلال عبد الله ابن الزبير بالحكم في مكة عن الأمويين، وسبهم يوم عرفه وفضح فسادهم على مسمع من الحجاج ومن بينهم حجاج الشام، قام عبد الملك ابن مروان ببناء ما عرف بالمسجد الأقصى في القدس والقبة المعروفة حالياً بقبة الصخرة، التي كساها مثلما تكسى الكعبة وصرف الناس للحج إليها بدل مكة حتى لا يستمعوا لابن الزبير. وقرأت مقابلة لفاضل الربيعي، يقول فيها: أنه حتى اليوم في بلاد الشام، الناس البسطاء يقولون: حججت وقدَّست، أو سنحج أو نقدِّس، أو لن نحج بل سنقدِّس هذا العام، أي سنذهب إلى القدس ومنذ ذلك الحين أصبحت القدس بمنزلة مكة أو تزيد وظهرت الأحاديث التي لا نهاية لها بفضلها وقدسيتها وأن الصلاة فيها تعدل آلاف الصلوات في غيرها وظهرت قصة الإسراء والمعراج... الخ

فهل من العسير ترسيخ قدسية زمزم (بئر العباسيينالذين هم من كتب التاريخ؟

والبعض يظن أن زمزم منذ وجدت وهي تفيض بالماء، فهل كانت مياهها غزيرة على الدوام؟

ومن أين تأتي هذه الكميات من الماء التي تتدفق طوال العام حالياً وتكفي كل هذا العدد الهائل من البشر؟

وللإجابة نقدم في البداية شهادة عصرية كتبها الأخ العزيز "أبو محمد" يقول فيها

هذه شهادة من أحد المعاصرين الذي حج في عام 1375للهجرة وهو والدي حيث يقول بعد سؤاله عن ماء زمزم: لم نسمع في حجنا في ذلك العام عن زمزم وبئرها ، وكان السقاة يجلبون الماء من خارج مكة ( عين زبيدة ) - لا زالت آثارها قائمة إلى اﻵن - وكان أغلب السقاة من اليمن يثقبون الخزانات القائمة على العين ثم يملؤون بها جرارهم ثم يعودون لبيعها في مكة. انتهى الاقتباس

وفيما يلي شهادتين تاريخيتين تؤكدان أن ماء زمزم كان يغور وتجف البئر في سنوات القحط:

الشهادة الأولى ذكرها الطبري في تاريخه، حيث يقول: ((خرج عمر بن عبد العزيز تلك السنة - يعني سنة ثمان وثمانين - بعدة من قريش أرسل إليهم بصلات وظهر للحمولة من قريش منهم ابن أبي مليكة وغيره. فأخبروه أن مكة قليلة الماء وأنهم يخافون على الحاج العطش، وذلك أن المطر قل)).

الشهادة الثانية أوردها الأزرقي (ت 250 هـ) في كتاب أخبار مكة، كما يلي: ((بَابُ ذِكْرِ غَوْرِ زَمْزَمَ، وَمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: كَانَ ذَرْعُ زَمْزَمَ مِنْ أَعْلَاهَا إِلَى أَسْفَلِهَا سِتِّينَ ذِرَاعًا، وَفِي قَعْرِهَا ثَلَاثُ عُيُونٍ، عَيْنٌ حِذَاءَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ، وَعَيْنٌ حِذَاءَ أَبِي قُبَيْسٍ وَالصَّفَا، وَعَيْنٌ حِذَاءَ الْمَرْوَةِ، ثُمَّ كَانَ قَدْ قَلَّ مَاؤُهَا جِدًّا حَتَّى كَانَتْ تُجَمُّ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنٍ، قَالَ: فُضُرِبَ فِيهَا تِسْعَةَ أَذْرُعٍ سَحًّا فِي الْأَرْضِ فِي تَقْوِيرِ جَوَانِبِهَا، ثُمَّ جَاءَ اللَّهُ بِالْأَمْطَارِ وَالسُّيُولِ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ فَكَثُرَ مَاؤُهَا، وَقَدْ كَانَ سَالِمُ بْنُ الْجَرَّاحِ قَدْ ضَرَبَ فِيهَا فِي خِلَافَةِ الرَّشِيدِ هَارُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَذْرُعًا، وَكَانَ قَدْ ضَرَبَ فِيهَا فِي خِلَافَةِ الْمَهْدِيِّ أَيْضًا، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ مَاهَانَ - وَهُوَ عَلَى الْبَرِيدِ وَالصُّوَافِي - فِي خِلَافَةِ الْأَمِينِ مُحَمَّدِ بْنِ الرَّشِيدِ ـ قَدْ ضَرَبَ فِيهَا، وَكَانَ مَاؤُهَا قَدْ قَلَّ حَتَّى كَانَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: مُحَمَّدُ بْنُ مشيرٍ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ يَعْمَلُ فِيهَا، فَقَالَ: أَنَا صَلَّيْتُ فِي قَعْرِهَا)). 

ولو كانت زمزم تفيض كما تفيض اليوم لما أمرت زبيدة بإنشاء مشروعها لسقاية مكة والحجاج من وادي نعمان وبطول يزيد عن 40 كيلو مترا وذلك في العام 197 للهجرة، وبقي هذا المشروع يزود مكة بالماء إلى عهد قريب جداً

** ولمزيد من المعلومات حول الآبار التي كانت في مكة يمكن قراءة كتاب: المنشآت المائية لخدمة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة في العصر العثماني دراسة حضارية // تأليف عادل غباشي. أو الرجوع لبعض كتب التاريخ مثل فتوح البلدان للبلاذري وتاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام لابن ضياء المكي (ت 854 هـ)، أو غيرهم.

وقبل محاولة التعرف على وفرة مياه زمزم في العصر الحالي سنورد ثلاثة تقارير تتحدث عن تلوث ماء زمزم:

التقرير الأول: في عام 1304هـ نشرت القنصلية الإنجليزية في جدة تقريراً تحت عنوان

حجة مكة وكوليرا زمزم / وورد في التقرير أن الماء يحتوي على ميكروبات ضارة قد تصيب بالكوليرا وأنه أسوأ من مياه المجاري

وقد نشرت مجلة لواء الإسلام في عددها الرابع الصادر في أول ذو الحجة عام 1367 في القاهرة مقالاً بعنوان: زمزم / كتبه د. محمد محفوظ / وذكر فيه خبر تقرير القنصلية الإنجليزية

التقرير الثاني: في العام 1351 هـ الموافق 1971 نشرت دار نشر أوروبية تقريراً قدمه طبيب عن ماء زمزم ورد فيه أن الماء موبوء وتتجمع فيه مياه المجاري وأنه يقع تحت مستوى سطح البحر.

التقرير الثالث: في العام 2011 نشرت البي بي سي تقريراً عن تحليل مياه زمزم يفيد أنه ملوث بالزرنيخ ويحتوي على مكونات كيماوية وبيولوجية ضارة بصحة الإنسان

وقد جاء الرد على هذه التقارير بصوت الإعلام الرسمي، لكن لا يتوفر تحليل مستقل.

وماء زمزم له طعم مالح ورائحة مماثلة لرائحة مياه البحر، فمن أين جاءت هذه الملوحة والرائحة؟

وعندما كانت البئر مكشوفة عبر العصور لماذا لم تكن النباتات تنموا حولها وفي مسايل المياه التي تنساب منها؟

أليس في هذا إشارة إلى أن قعر بئر زمزم قد يكون بالفعل يقع تحت سطح البحر، كما أشار التقرير الثاني؟

ولو ثبت أن بئر زمزم يقع تحت مستوى سطح البحر فهذا يفسر التساؤلات أعلاه وغيرها.

ووفرة مياه البئر في العصر الحديث، تعود لتوسعات البئر الرسمية في العصر السعودي، وخاصة الأخيرة، والتي قد تكون أدت لفتح فجوات لممر مائي تحت البئر متصل بالبحر. لأن البئر تم حفرها وزيادة عمقها عبر التاريخ، ومع ذلك بقيت مياهها تغور وتكاد تفقد حتى بدأت أعمال توسعة الحرم في العصر السعودي. مما جعل مياهها التي كانت شحيحة في العام 1375 هـ تصل إلى 200 ألف عبوة في اليوم ينتجها مشروع سقاية زمزم الذي أقيم حديثا.

ويكون توفر الماء ليس بسبب أنها بئر مقدسة ومياهها تفور ببركة السماء، ولكن بقدرات التقنية الجديدة.

ويهمنا أن نؤكد على أن زمزم لا قدسية لها في دين الله، وأن نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل لم يعلما بوجودها، وأن من حفرها هو عبد المطلب الذي كان مسئولاً عن سقاية الحاج وورثها عنه ابنه العباس الذي كان جداً لخلفاء بني العباس وكان هذا أحد العوامل التي ساعدت على تعظيم شأن البئر دون سائر آبار مكة بما في ذلك بئر طوى التي تقع في وادي طوى المقدس بشهادة القرآن والذي كلم الله فيه موسى، وفيه تلقى موسى التوراة وكتبها.

وتقول كتب الأخبار من تاريخ وسير وحديث أن رسول الله بات بالقرب من بئر طوى ليلة فتح مكة. ويصف ابن إسحاق في سيرته كما نقل ابن هشام كيف أن الرسول كان يمشي بكل تواضع وسكينة وخشوع في الوادي: قال ابن إسحاق: فحدثني عبدالله بن أبي بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى ذي طوى وقف على راحلته معتجراً بشقة برد حبرة حمراء، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضع رأسه تواضعاً لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل.

وإن صدق الخبر فإن قول ابن إسحاق أن خشوع الرسول يعود لأن الله يسر له الفتح، غير صحيح، لأن مروره بطوى كان قبل دخول مكة وليس بعد الفتح... وإن كان الرسول قد تصرف بخشوع ظاهر فيعود لقدسية المكان.

ونحن لا نورد الأخبار على أنها دليل قاطع، لكن نقول إن القرآن ذكر الوادي المقدس طوى وسبق وناقشنا موطن النبي إبراهيم في أحسن القصص وفي مواضيع نشرت في الصفحة وأنه قريب من مكة ثم انتقل لمكة وعاش فيها بقية حياته.. وأن موسى حج لمكة وعندما خرج منها مع زوجته أول الليل عائدا لبلاده رأى النار وكان في وادي طوى وهناك حدث التكليم.. ولو وجدت أخبار تشير لهذه الحقائق فهذا يقوي صحة الأخبار وليست الأخبار تقوي ما يقول القرآن.

والمهم لنا هو أن طوى القرآن أهملت وزمزم قريش قدست وأصبحت مياهها تصل إلى كل أصقاع الأرض طلبا للبركة، مع أن القائمين عليها ينتسبون لمذهب يحرم التبرك ويعتبره من الشرك


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق