السحر وصفه القرآن بدقة ضمن الحديث عن سحرة فرعون بقوله: قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ(115) قَالَ أَلْقُواْ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاؤُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ(117) الأعراف.
فهو سحر لأعين الناس الذين يشاهدون عروض الساحر، أي أنه خداع بصري فقط. وليس كما هو شائع من أنه تمتمات يستدعى بموجبها الجن ويؤدي للضرر بالمسحور وفقدانه عقله أو انجذابه لمن سحره (هذه كلها خرافات لا وجود لها على أرض الواقع).هذا هو تعريف السحر من القرآن.
ومع ذلك فقد انتشر مفهوم مختلف عن السحر، ولذلك توقف كثيرون عند الآية (102) من سورة البقرة على أنها دليل على أن السحر يضر وينفع ويمكن بواسطته أن نفرق بين المرء وزوجه
يقول تعالى: وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ (102).
وهذا تبسيط لما تقول الآية:
بنو إسرائيل اتبعوا ما تتلوا الشياطين زمن ملك سليمان.
والناس يقرنون الشياطين بالجن، وكأنه لا وجود لشيطان إلا من الجن، وهذا الاعتقاد خاطئ من أساسه وغير صحيح. والجن لا يستطيعون أن يضروا بالإنس. والشياطين يمكن أن يكونوا جن ولكنهم شياطين في عالم الجن (عالمهم) وليس في عوالم أخرى كعالم الإنس. والشياطين يمكن أن يكونوا من الإنس – وما أكثرهم – وهم شياطين على جنسهم وعالمهم الأرضي المحسوس ولا يمكن أن يكونوا شياطين على الجن أو الملائكة.
فالشياطين في الآية هم من الإنس.
" وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ".
السحر هو الخداع البصري كما بينت سورة الأعراف أعلاه.
ويعلمون الناس أيضاً: "مَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ".
الملكان تقرأ بفتحة على اللام والكاف، وكأنهم من الملائكة ، وهذا لا يمكن.
لأن الله جل وعلا في القرآن يؤكد في عدة سور أن الملائكة لا يمكن أن يراها البشر (غير الأنبياء والرسل)
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوّاً كَبِيراً{21} يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً{22} الفرقان
فقريش كانت تطالب الرسول برؤية الملائكة وستؤمن، فيخبرهم القرآن أن رؤية الملائكة مقترن بحلول الكارثة بهم.
وهو ما تؤكده سور أخرى مثل الحجر: وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ{6} لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ{7} مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ{8} الحجر.
إذاً، العبارة يجب أن تُقرأ بكسرة تحت اللام في "الملكين": وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت.
ملكان من ملوك الأرض كانا في بابل واسمهما هاروت وماروت، على وزن طالوت وجالوت. وكلها أسماء بشرية وليست أسماء ملائكة.
وتخبر الآية عما يقول هذان الملكان لمن يريد أن يتعلم منهم السحر: " وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ".
هذا ليس كلام الله والقران هنا لا يقرر أن الذي يتعلمه الناس من هذين الملكين كفر.
الملكان من يقول هذا وقد يكونا يقولانه ليهولا لمن يتعلمه أنه يتعلم شيئاً هاما جدا، وقد لا يكون كذلك.
ونأتي لجزء الآية الذي يتحدث عنه الناس بشيء من سوء الفهم، وهو: "َويَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ".
كثيرون يرون أن هذه العبارة دليل لا يقبل الجدل من أن السحر يضر ضررا حسيا ويفرق بين المرء وزوجه أو العكس كما يقول العامة (سحر صرف أي تفريق) أو (سحر عطف أي يحب المسحور من سحره).
ما يتعلمه الناس من الملكين سحر، أي خداع بصري لا غير.
لكن ما يستخدمه المتعلم قد يفرق بين المرء وزوجه.
كيف؟
الساحر قد يقوم ببعض الخدع البصرية التي توحي للزوج أو للزوجة شيئاً سيئاً بحيث يتسبب بوجود مشاكل زوجية تنتهي بالطلاق. لكن دون استحضار للجن ولا وضع شعر وقطع زجاج وشخبطات تحت عتبة البيت أو الوسادة أو في بئر.. الخ.
وقد يكون الساحر يضيف على الخدع البصرية بعض الأكاذيب والقصص التي يختلقها لتؤدي الغرض في نفس من يأتي إليه.
واحتمالات كثيرة أخرى.
والمهم هو أنه لا وجود للتمتمات التي تؤثر على النفس البشرية ومشاعر الناس، ولا وجود لاستخدام الجن.
وبما أن كل شيء في الكون لا يكون إلا بإذن الله ولو لم يشأ لم يكن فلن يتسبب السحر (الخدع البصرية والقصص المختلق من الساحر) بضرر لأحد خارج مشيئة الله.
وتستمر الآية تقول: "وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ"
السحرة الذين تتلمذوا على يد الملكين ببابل يتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم لأنهم يستخدمونه في خداع الناس.
وخداع الناس للإضرار بهم معصية توجب النار.
ولو كان السحر بمعناه السائد صحيح فلماذا لا يمارسه إلا الغارقين في الجهل ولا يقبله إلا من سيطرت على ذهنه الخرافات. وكلما ارتقى الفكر وزاد الوعي كلما قل التصديق بهذا السحر بمعناه السائد المزيف.
الخلاصة
أن السحر خداع بصري تم استغلاله من قبل من يتعلمه من بني إسرائيل بطرق شتى بعضها سيء وضار، لكنه ليس تمتمات ولا يعتمد على قوى خفية كاستخدام الجن. وهذا السحر لو استخدم بطريقة حسنة وترفيهية فليس بمعصية، كما يحدث الآن في كثير من دول العالم ونستمتع بمشاهدته على شاشات التلفزيون واليوتيوب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق