الصناديق والتفكير خارج الصندوق
منذ خلق الانسان وهو يعيش في تجمع بشري،فهو كما قال ابن خلدون:" الانسان مدني بالطبع"،فالإنسان بحاجة الى الجماعة لأنه لا يستطيع منفردا ان ينتج كل ما يحتاج اليه لاستمرار وجوده، وطبيعي ان هذا التجمع او المجتمع، يعيش فيه افراد متفاوتون في قدراتهم العقلية والعضلية، وبما ان كل جماعة تحتاج الى قانون ونظام ، حتى لو كان في صوره البدائية، فان الاقوياء هم الذين يضعون القوانين، التي تعكس غالبا، مصالح هؤلاء الاقوياء، وفي حالة عدم التطبيق الطوعي لهذه القوانين فلا بد من قوة عضلية تخضع الجماعة بالقوة، لذلك نشأت الحاجة الى قوة تنفيذية ، مهما كانت حالة الجماعة تخلفا وبدائية، الا ان حالة القمع والاخضاع ليست القاعدة، بل هي الاستثناء، فالأصل ان يصبح تطبيق القوانين طوعيا، مما يتطلب ان تصبح الانساق الفكرية والانماط السلوكية للجماعة بمثابة قناعات، مما استدعى وجود طبقة او شريحة، مهمتها اقناع الافراد ب"قيم الجماعة" وهنا برز دور الكهنة الذين كانوا يعلمون الناس ويقنعونهم بصحة الاسس الفكرية التي تقوم عليها الجماعة، لذلك كان الطواغيت على مر الزمان قد تحالفوا مع الكهنة لتحقيق مصالحهم، واخضاع الناس فكريا لهم، ومن هنا بدأت الحاجة لتعميق تميز الجماعة عن غيرها، وابراز هذا التميز ،حتى يشعر الفرد بقوة الانتماء للجماعة، ولا يكون التميز وقوة الانتماء الا في حالة وجود عدو خارجي، سواء كان عدوا حقيقيا او مصطنعا،وجوديا او معرفيا، مما يعني ان الفرد اصبح يرى بأن ما تقوم عليه جماعته هو الحق والصواب الذي يجب ان يدافع عنه، ولا يرى الحق الا وفق ما قدمه له الكهنة وعلموه اياه، حتى يصل الى مرحلة لا يستطيع التفكير او السلوك، خارج منظومة الجماعة الفكرية والسلوكية، وهو ما يطلق عليه " التفكير داخل الصندوق". هذا الصندوق يصبح لاحقا، اما صندوق طائفي او مذهبي او حزبي، وقلة من الناس عبر التاريخ، استطاعت ان تفكر خارج صندوقها، وهو ما عبر عنه القران بشعار" هذا ما وجدنا عليه آباءنا"، لان التفكير خارج الصندوق يعني فقدان امتيازات الجماعة وحمايتها له، لذلك يمكن ان نلتمس العذر في الماضي في ضوع الفرد لصندوق جماعته، باعتبارها الجماعة التي تكفل له الحياة والبقا،، اما في زماننا هذا، فقد اصبح بامكان الفرد ان يفكر بشكل مستقل، دون ضغط الظروف التي خضع لها الفرد في المجتمعات البدائية والمتخلفة، علما ان اتباع الصناديق الدينية ما زالوا في بلادنا مستعدون لارهاب وقمع من يخالف صناديقهم، ولكنها صناديق ستزول وتتحطم عاجلا او اجلا، حتى يعود للانسان حريتة، فيختار ما يقتنع به، لا ما يفرض عليه قسرا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق