الخميس، 23 مارس 2017

هل كانت قريش تعبد ابليس..

يقول تعالى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121) النساء.

الحديث في الآيات عن قريش وليس عن البشرية كلها.

قريش يدعون (يعبدون) أصناماً بأسماء مؤنثة (كالعزى) كما أنهم يعتبرون الملائكة بنات الله.

ومع الإناث يدعون (يعبدون) شيطاناً مريداً.

فهل قريش كانت تعبد إبليس؟

سأعيد السؤال لكي يرسخ في أذهاننا ونفكر فيه بشكل أعمق: هل قريش كانت تعبد إبليس؟ (على اعتبار أن الشيطان هنا هو إبليس).


طبعاً أجزم بأنك ستقول: لا قريش لا تعبد إبليس.

لماذا إذن قالت الآية إنهم يدعونه (يعبدونه) كما يعبدون الأصنام؟

الجواب: لأن الشيطان ليس إبليس ولكنه شيطان النفس.

وتصوير شيطان النفس وكأنه يتكلم هو تصوير مجازي لزيادة التأثير في النفس وهو كثير في القرآن، ومن ذلك تصوير جهنم وكأنها تتكلم: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30) ق.

والآيات تكمل وتقول:  لَعَنَهُ اللهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ.

وهو مشابه لما يتمنى إبليس فعله في الناس، لأن الغواية أياً كان مصدرها متشابهة.

وسأتوقف قليلا عند قوله: " وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ"

هذه الجزئية من الآية ألف فيها أحد الكتاب رواية رسخ من خلالها أن لإبليس قوى يستطيع بها تحريك العالم مع أن الله الذي خلق إبليس والذي يعلم قدراته لم يقل عنه معشار ما قاله الكاتب عنه. بل إن الله قال له: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (65) بني إسرائيل.


فالحديث عن تبكيت آذان الأنعام أخذ أكبر من حجمه بملايين المرات لأنه أصبح مصدر إلهام لكتابة رواية على شكل كتاب.

وأصبحت هذه الرواية هي المصدر الموثوق عن قدرات إبليس وليس كلام الله. فالروايات مصدر إعلامي هام جدا في ترسيخ ما لا يعقل.. خذ مثلا (بابا نويل) لدى المسيحيين فشخصيته رسخت بهذه الصورة من خلال رواية كتبها كاتب أمريكي.

وقريش كانت تخرق آذان الأنعام في طقوس وثنية وهذا كل شيء. ولو أن قريشاً خرقت وبتكت آذان الأنعام للزينة فلن يتطرق لها القرآن لأنه لم يتطرق لخرق بعض النساء لأذانهن وأنوفهن.

وما يفعله بعض شواذ العالم وعبادتهم للشيطان هو مجرد ترجمة للصورة الموروثة عندهم عن الشيطان وأنه مخلوق حي ذو وجه مقزز مفزع وقرنين وعيون حمراء ومصدر الشرور في العالم، ولدى الغرب من الخرافات ما لا يقبله عقل


نعود للآيات: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121) النساء.

هذه الآيات تصور وضع قريش مع طقوسها الوثنية التي أوصلها لها شيطان النفس. وصورته الآيات وكأنه مخلوق حي من باب المجاز.

وأكرر ليس هناك آية تقول إن إبليس استطاع إغواء الناس ولكن هناك آيات عدة تقول إن إبليس بعدما طرد من رحمة الله قال ما يتمناه ظناً منه أن يستطيع. ولكن لا يستطيع.

ولو كان إبليس قادر على غوايتنا وسمح له الله بذلك فالله جل وعلا عاون ظالماً على ظلمنا وهذا يتعارض مع عدل الله المطلق الذي جعلنا مسئولين بالكمال والتمام عن اختيار طريق الحق أو الضلال دون تأثير خارجي لا نستطيع منعه


لكن بما أن من طبع الإنسان أنه يميل لإبعاد اللوم عن نفسه فقد أعجبه أن يكون إبليس هو من يغويه، وكأنه يقول لو كان الأمر بيدي لما غويت ولكن إبليس الملعون هو من أغواني ... وهو مشابه للإيمان بمفهوم القضاء والقدر الشائع.. فكل أخطائي أعلقها عليها وبالتالي أتخلص من لوم نفسي.


والسلام


ابن قرناس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق