إن فكرة تعدد الزوجات في عصرنا وعدم تقبل المجتمعات الأخرى لهذا الطرح أصبح يشكل عبئاً ثقيلاً لدى الكثير من المفكرين الإسلاميين الذين يريدون تقديم الإسلام للعالم بصورة منصفة بعد أن شوهته إستقراءات "السلف الصالح" لآية التعدد، فيما وضعوا الباقي على شماعة نبي الأمة الذي لا أعلم كيف سيواجه أمته وقد اختلفوا من بعده على أبسط التشريعات.
إن النزعة الطبيعية الفطرية للمفسرين (الذكور) في استقراءهم لأية التعدد أدى إلى فهمها على "الإطلاق" رغم التقييد الواضح في الآية
التي بدأت بقوله تعالى (و إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) والعجيب في الأمر ان هذا الفهم الخاطئ تعاقب عليه فهم آباؤنا الأولون فأصبح إرثاً فقهياً ثقيلاً يصعب إزاحته أو حتى نقده !! وإن فعلنا ذلك قالوا (حسبنا ما وجدنا عليه اباءنا) !! لذا سنطرح الأمر بين أيديكم فأكون كمن أتاكم منه بقبس أو وجد بين تعليقاتكم هدى ..
لنتساءل بادئ ذي بدء:
هل يكفي عدم إنجاب المرأة او مرضها أو شبق زوجها الجنسي مبرراً للزواج بثانية وثالثة و رابعة؟
لو سألت أي مُعدد عن ذلك لردد كالببغاء قوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع)!!
ولكن واضح جدا ان الآية أٌجتزت من سياقها!!
فالفاء في أول الأمر (فانكحوا) رابطة لجواب الشرط (انكحوا) ..
فما هو الشرط ؟؟ قال تعالى (وان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى) !!
فما شأن اليتامي في التعدد؟؟
في الحقيقية إن أردنا فهم الآية يجب استقراء الآية ضمن سياقها الكامل, وعليه فإن الآية التي تسبقها تقول (وءاتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ... الآية)
إذاً فالقضية من البداية تتعلق باليتامى، بل إن السورة من بدايتها حتى آية التعدد تتحدث عن اليتامى فهم مرتكز التشريع. حيث يأمرنا الله بإيتاء اليتامى أموالهم، ثم تتابع الآيات ليأمرنا (في حالة الخوف) من الإقساط في اليتامى الزواج من أمهات اليتامى (الأرامل)
بمعنى آخر (إن خشيت الدولة من خلال مؤسساتها الاجتماعية أن لا توفر الرعاية الكاملة للأيتام يجب أن يكون التشريع بزواج الأفراد من الأرامل لكفالة أبنائهن اليتامى) واليتيم هنا هو القاصر (ما دون السن القانونية) فاقد الأب وما زالت أمه حية وما فوق السن القانونية لا يعد يتيما بل هو فردٌ مستقلٌ في المجتمع ومسؤولٌ عن إعالة نفسه.
بالتالي هناك شرطان للتعدد:
أولاهما أن تكون الزوجةالثانية أو الثالثة أو الرابعة "أرملةُ و ذات أولاد".
الثاني أن يتحقق الخوف من عدم الإقساط في اليتامى.
أيضاً .. أن اليتيم يسقط حكما و قانونا مع سن النكاح (السن القانوني) (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح) .
إن الأمر الإلهي بالتعدد هو حل لمشكلة إنسانية قد لا تقع وفي حال عدم وقوعها يمكن للقانون إلغاء العمل بالتعدد وعلى المجتمع أن يقر العمل بها أو تركها. ولكن إن قرر بلد إلغاء التعدد ثم قام أحد الأفراد بمخالفة ذلك!! هل يعتبر فعله من الفاحشة ؟
نقول أن ذلك يدخل ضمن الجزاءات القانونية للدولة ويعاقب على هذه المخالفة و لكن لا يمكن اعتباره زاني.
أما في الحالات العادية فلا يكون التعدد مطلقاً ولذلك قال الله عز وجل (وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا) فلو كان التعدد مطلقاً في كل الظروف لما قال تعالى ( اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ).
إن التعددية المسموحة ذات مفهوم اجتماعي وليس جنسي هدفها وجود رجل إلى جانب الأرملة يعينها على تربية أبنائها وللأسف لم تطبق هذه الآية حالياً بهذا المفهوم . وفي حالة أن الدولة أو المجتمع قرر أنهم قادرون على إعالة اليتامى بدون تعدد كان لهم ذلك دون الرجوع إلى فتوى فقهية بل بموافقة البرلمان فقط.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق