نشأة آدم و إرتقاؤه .. من البشرية إلى الإنسانية ..
نشأة آدم و ارتقاؤه .. من البشرية إلى الإنسانية
ان قانون الكون المادي قائم على جدلية الأضداد كالليل والنهار،الذكر والأنثى، الخطأ والصواب، الخير والشر, الطاعة والمعصية ولذلك ظهر إبليس كضرورة (وليس صدفة) كرمز للشر أمام رمزية الخير لله فكانت غواية الله لإبليس عن سابق حكمة وغاية وليس خارج عن الإرادة الإلهية. وبطبيعة الحال، هذه الجدليات لا تنطبق على الله سبحانه ولكن إيجاد رمز لهذه الجدلية أمام العقل البشري تتطلب وجود رمز للشر أمام رمز الخير. (اشتقت فلسفة الين واليانغ الصينية من جدلية الأضداد).
وبعصيان (إبليس) عن أمر ربه، ظهرت رمزية الشر وظهر مفهوم جديد لدى الإنسان وهي (حرية الإختيار) لذا فوجود إبليس ومفهوم (الشيطان مقابل الرحمن) و (حرية الإختيار) هو ضرورة للحياة الإنسانية. ولكي نفهم قصة آدم (الرمزية) علينا أن نفهم الموضوع والحوار الدائر بين الله وإبليس وإخراج آدم من الجنة بشكل رمزي غير مشخص.
إن جدلية الأضداد تقودنا للغاية من قصة آدم وسجود الملائكة أو ما نسمية ب(محفل سجود التكريم) فمن خلالها نفهم حقوق الغير وحدود الذات والخير والشر والعدل والظلم. كذلك ، ان رمزية السوأة والشجرة التي نهى آدم وزوجه عنها هي رمز للنهي المشخص كي يتعلم ضبط رغبته في التملك والإستحواذ على كل شيء محيط به.
نخلص لما يلي: "أصبح (البشر) في (أحسن تقويم) فسيولوجياً لعملية نفخة الروح (الأنسنة) وذلك بإنتصابه على قدمين وتحرير اليدين وبوجود جهاز صوتي"
لقد (اصطفى) الله تعالى آدم بين مجموعة من (البشر) لتكون عملية التدخل الإلهي (الأنسنة) بنفخ الروح لتحويل آدم من (الطور البشري) إلى (الطور الإنساني العاقل). ولولا ذلك التدخل الإلهي المقصود (الأنسنة - بنفخة الروح) لاستمرت عملية (البث) بين المخلوقات دون تطور أو (إرتقاء) للجنس البشري . ذلك التدخل الإلهي يشكل في الحقيقة الحلقة المفقودة في نظرية تشارلز داروين (النشوء والارتقاء) والتي تعرف ب(Transitional fossil of Darwin's theory)
ومما سبق نفهم أن الجنس البشري (قبل الأنسنة) كان كائن غير عاقل و ذا سلوك حيواني في نمط الحياة والمعيشة والافتراس {يسفك الدماء} ولم تظهر عليه ظاهرة العمل الواعي. لذلك نلاحظ أن الملائكة (التي لاتعلم الغيب) عندما أخبرها الله (أني جاعل في الأرض خليفة) فأجابت بإستغراب وقد أطلعت على عمل هذا الجنس البشري (الهمجي) وعلمت أنه ليس مؤهل لخلافة الأرض لذلك قالت (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) !!
ولكن كانت عملية التسوية ومن ثم الأنسنة (نفخ الروح) لم تحن بعد , حيث قال تعالى (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين). الجدير بالذكر هنا أن حوار الله مع الملائكة فيما نسميه ب(محفل سجود التكريم) لآدم ورد في ثمان مواضع لم تستغرب الملائكة إلا في موضع واحد عندما أخبر الله فيها الملائكة أنه سيجعل آدم خليفة في الأرض!! قال تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) . في حين أنه ذكر في مواضع أخرى عملية خلق من طين فلم تستغرب الملائكة ذلك الأمر بالإضافة الى الأمر بالسجود مباشرة لآدم فلم يتساءلوا (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ ) و (َإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ) (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴿28﴾ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ ......... فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴿29﴾ (ِاذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ ﴿71﴾ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴿72﴾
من ناحية اخري, قال تعالى أنه (جاعل) في الأرض خليفة و(الجعل) هنا من الصيرورة أي أن الشئ موجود ويتم تحويله كقوله تعالى (إني جاعلك للناس إماما). كذلك نلاحظ أن كلمة (اصطفى) آدم تعني الإختيار من مجموعة مماثلة كقوله تعالى لمريم (واصطفاك على نساء العالمين) وكذلك قوله تعالى (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين).
أصبحت المعادلة ببساطة:
نشوء : جسد (البنية الفسيولوجية) + نفس = بشر "مرحلة حيوانية"
ثم ارتقاء : بشر(جسد ونفس) +روح = إنسان (آدم) "مرحلة الإنسان الواعي"
بالتالي علينا أن نعيد النظر في احاديث خلق الله لآدم من تراب!! ثم خلق حواء من ضلعه!! ثم أدخل الجنة ثم طردا منها !!!
أمر آخر مهم ,,
قال تعالى (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) هنا أمر الله الملائكة بالسجود فرد أبليس بالرفض!! وهنا نتسائل في طبيعة إبليس فإن لم يكن مخاطباً في الأمر (أي كان ملك من الملائكة) فلماذا رفض الأمر بالسجود لآدم!!
إن ما نراه واضحاً من سياق الآية أن إبليس كان من الملائكة كقولنا "فسجد الملائكة لآدم إلا جبريل" وهنا نفهم أن جبريل من الملائكة وفي موضع آخر يقول تعالى ( إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه) ويبرر إبليس عدم سجوده بأصل خلقه (قال انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) . إذاً, إبليس كان من الجن (أصل خلقه النار) وبكيفية ما، غير معلومة، أصبح من الملائكة و بالتالي , نستنتج من سياق الآية أن الملائكية طور أو رتبة ولكن من جنس مختلف.
ونلاحظ في مواضح (محفل سجود التكريم) أن مفردة الشيطان لم ترد اطلاقاً. وذكر(إبليس) فلماذا؟
إن ابليس شي والشيطان شئ آخر. حيث أن الشيطان حالة ذهانية للعقل الإنساني أو ما نسميه ب(الوهم).. وقد تحدث أيضا للجان (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن) وجذر الكلمة في اللغة (شطن) ومنها الشطط والشط (أي الطرف والتطرف) !! بالتالي الشيطان هي حالة قد تحدث للإنس و الجن أما (إبليس) فكان جان وارتقى إلى مرتبة الملائكة لذلك خوطب في الامر بالسجود من ضمن الملائكة.
بعد أن تمت أنسنة آدم و"زوجه" من الطور البشري إلى الطور الانساني (العاقل الواعي) أُدخلوا الجنة ولكن، هذه الجنة ليست الجنة الأخروية أو جنة الخلود!!
ان الجنة التي وضع فيها آدم وزوجه هي جنة دنيوية لا خلود فيها، لذلك وسوس لهما الشيطان بالملك والخلود. حيث قال تعالى (فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) ونلاحظ هنا أمرين هامين أولا، عملية الوسوسة تمت من قبل الشيطان ولم يذكر إبليس هنا حيث تحول ابليس الى حالة ذهانية في العقل الشيطاني والتي تدعو الإنسان لفعل الشر. الأمر الآخر أن الإخواء الذي حدث كان من خلال تحريك غريزتي البقاء والتملك. ولو كانت الجنة لآدم "له خالداً فيها" لما غرره بالخلود وملك لا يبلى (قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى)
كما يتضح أن غريزة البقاء وغريزة التملك هي أقوى الغرائز البشرية لذلك غُرر آدم بهما. وبالتالي من ظن أن آدم كان في جنة الخلد فهو واهم، فما الذي يغري آدم بالخُلد والمُلك وهو في جنة الخلد!!
نضيف إلى أن مفردة (الجنة) وردت أيضاً بمعنى الجنة الدينيوية (جنة سبأ) و (أصحاب الجنة) أي المكان المغطى بالأشجار بالتالي فمن يكون في جنة او جنان (يتوفر لديه الغطاء والأكل) ومن يخرج منه هذه الجنة الى (العراء) يجوع و يشقى. وهذا هو معنى الآية (فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ( 117 ) إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى ( 118 ) وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى). وبالتالي أن الجنة التي سكن ادم وزجه فيها هي جنة بربوة (مكان مرتفع) لذلك عندما أخرج منها ادم وزجه قال تعالى (قلنا اهبطوا منها جميعا) كقوله تعالى (أهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم) فالمقصود بالهبوط هو النزول من مكان مرتفع الى مكان أقل ارتفاعا في نفس المستوى.
ختاماً..
لقدد هرعنا الى أهل الكتاب لتفسير القصص القرآني والنتيجة أننا وقعنا في مستنقع تلمودي يزخر بأساطير ما أنزل الله بها من سلطان.
المراجع :
1. القرآن الكريم
2. أبي آدم: قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة - عبد الصبور شاهين
3. آذان الأنعام - عماد محمد بابكر حسين
4. القصص القرآني: قراءة معاصرة- مدخل إلى القصص وقصة آدم- محمد شحرور
5. الحلقة المفقودة في نظرية داروين - ويكيبديا
من مدونة
لويس غرم الله







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق